فهرس الكتاب
انتقل الآن إلى مسألة أخرى، وهي مسألة قد تشتبه ويدخلها البعض في صورة الممتنعين. قال: (وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ خَفَارَةً أَوْ ضَرِيبَةً مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ عَلَى الرُّءُوسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَحْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) يعني عنده مثلًا أغنام فعلى كلِّ واحدة يأخذ منه خمسين أو مائة، والأموال يقوِّمها ويقول له مثلًا تدفع لنا العشر، وهذا ليس بالسِّلاح ولكنه يأخذ ضرائبَ منظمة، كحال أصحاب الجمارك الذين يأخذون أموال النَّاس بغير حقٍّ، وأحيانًا نقول يكون للدَّولة حاجة شديدة ومرَّت بظرف من الظُّروف فهذا لا يُؤخذ إلا لمصلحة عامَّة مثل الضَّرائب التي اختلف العلماء في فرضها على الأغنياء عند حاجة بيت المال للجهاد مثلًا، فهذا فيه خلاف بين العلماء والراجح جوازه، لكن نتكلم هنا في أن يكون قانونًا عاما لا يتعلق بظرف خاصٍّ تمرُّ به الدَّولة في حالة من الحالات (فَهَذَا مَكَّاسٌ، عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الْمَكَّاسِينَ.) يعني ليس قاطع طريق وإنَّما هو مكَّاس يعاقب عقوبة تعزيرية بحسب ما يرى الإمام (وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ قَتْلِهِ) ذكر بعض الفقهاء أنَّ المكاس يُقتل كيفما أمكن وهذا يقوله الأحناف، وذكر هذا الإمام أبو بكر الجصاص في تفسيره عند قول الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ] البقرة:278 [[1] (وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ) فالنَّاس يذهبون ويرجعون
(1) . قال ابن الجصاص في تفسيره (2\ 192 - 193) : (وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد اللّه عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها، وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه، وقوتلوا حتى ينتهوا، وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة، وكذلك حكم من يأخذ أموال النَّاس من المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب، واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا ممتنعين، وهؤلاء أعظم جرما من آكلي الربا، لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة المسلمين جميعًا، وآكل الربا إنما انتهك حرمة اللّه تعالى في أخذ الربا، ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة، لأنه أعطاه بطيبة نفسه، وآخذو الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي اللّه تعالى، وحرمة المسلمين، إذ كانوا يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة، فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال النَّاس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال)