واحدة (وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ) فحاد عنها ومال عنها وقدَّم عليها غيرها إمَّا (مِنْ نَسَبٍ أَوْ بَلَدٍ، أَوْ جِنْسٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ طَرِيقَةٍ فَهُوَ مِنْ عَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ) أي كلُّ من جعل واحدة من هذه الأمور مقدَّمة على السَّير على طريقة القرآن والسُّنة فقد تعزَّى بعزاء الجاهلية، فمثلًا الشُّرع لم يُلْغِ القَبَلِيَّة، فالله تعالى قال: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ] الحجرات:13 [، والقبائل لا تزال موجودة في زمن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويُستفاد منها فيما لا يكون فيه عصبية جاهلية، ولذلك النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحروب يجعل للأوس راية، وللخزرج راية، وللمهاجرين راية، وليس هذا من باب العصبيَّة الجاهليَّة، فالشَّرع لم يُلْغِ هذه الأمور، لم يُلْغِ مسألة النَّسب، ولم يلغ مسألة القبليَّة ولم يُلغِ مسألة البلد، ولكنَّ الذي نهى عنه الشَّرع أن يُجعل الانتساب لهذه الأمور هو المعيار في التعصُّب والنُّصرة وإحقاق الحقِّ والإنصاف للنَّاس، فمن كان من بلدك أو جنسك أو مذهبك أو جماعتك فأنت تنصفه وتعينه وتكون معه، وأمَّا من كان خلاف ذلك فهو منبوذ وكأنَّه ليس من أهل الإسلام، هذا ليس ميزان الشَّرع وإنَّما هو ميزان جاهليٌّ، إذن هذه الأمور إنَّما هي وسائل يستعان بها على نصرة الدِّين وعلى إقامته، ولا تُقصد لذاتها، فأيُّ موضع تعارضت فيه بالحقِّ مع الكتاب أو السنَّة فلا قيمة لها، وإذا مال لها الإنسان وقدَّمها وتعصَّب إليها فقد تعزَّى بعزاء الجاهليَّة.
أَكرَمُ وأشرف صفتين هي صفة المهاجرين وصفة الأنصار التي ذكرهم الله - سبحانه وتعالى - بهم في كتابه في مواطن كثيرة، أمَّا المهاجرون فقد استحقُّوا هذه الصِّفة السَّامية لأنَّهم تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم وأوطانهم ينصرون الله ورسوله فسُمُّوا بالمهاجرين، وأمَّا الأنصار فلأنَّهم نصروا دين الله ورسوله وأصحابه - صلى الله عليه وسلم - ورضي