الْمُسْلِمِ، إذَا تَجَسَّسَ لِلْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ يَتَوَقَّفُ فِي قَتْلِهِ، وَجَوَّزَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كابْنِ عَقِيل قَتْلَهُ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ الحَنَابِلَةِ كالقَاضِي أَبِي يَعْلَى [1] قال هنا أن مالكًا رحمه الله جوَّز أن يبلغ التَّعزير إلى عقوبة القتل، ووافقه ابن عقيل، مثل الجاسوس المسلم فحكمه عند الإمام مالك يرجع إلى اجتهاد الإمام فيجوز عنده أن يبلغ به القتل ولكن هذا بالاجتهاد.
(وَجَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا: قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) تجويزهم هنا على سبيل التَّعزير، قالوا إنَّ البدع على قسمين؛ إمَّا أن تكون بدعًا مكفِّرة يعني يكون صاحبها خارجًا من الملة فهذا تكون عقوبته عقوبة المرتد، وإمَّا أن تكون البدع ليست مكفِّرة، ولكنَّها مغلَّظة تؤدِّي إلى إفساد عقائد النَّاس، فإذا كان هذا داعية إلى بدعته يضل
(1) يُنظر: كتاب المُعلِم في حكم الجاسوس المسلم؛ للشارح -رحمه الله-، ومن نتائج هذا البحث الثمين، ما كتبه المؤلف في خاتمته:
(- اختلف العلماء في كفر الجاسوس المنتسب للإسلام، كما اختلفوا في حكم قتله، وليس في واحدٍ من الأمرين إجماعٌ بينهم.
-اختلاف العلماء في تكفير الجاسوس المنتسب للإسلام لا ينقض اتفاقهم على كون مظاهرة الكفار على المسلمين كفرًا أكبرًا مخرجًا من الملة، والمسلك الصحيح في المسألة هو التوفيق بين كلامهم ووضع كل حكم موضعه وليس بضرب بعضه ببعض، ولا باتباع المتشابه وترك المحكم.
-الجواسيس الذين ظاهرهم الإسلام على قسمين:
القسم الأول: من كان نوع تجسسه إعانة صريحة للكفار على المسلمين وهو الذي يدخل دخولًا جليًا في مسمى المظاهرة، فهذا مرتدٌ، وحكمه -من جهة القتل وعدمه-حكم الزنديق، إن جاء تائبًا قبل القدرة عليه قُبلت توتبه وإلا فيتعين قتله إلا إن كان في تركه مصلحة واضحة راجحة فلا بأس بتركه وإطلاقه مراعاةً لها.
القسم الثاني: مَن لم يكن نوع تجسسه صريحًا في الإعانة، فيُجتَهد في عقوبته بما يناسب جنايته وقد تصل إلى القتل تعزيرًا.
-وهذا كله في الجاسوس المقدور عليه، والذي يكون تحت قبضة المجاهدين، مع إمكان التحقق من حاله، أما الممتنع بالشوكة ممن لا يمكن دفع شره إلا بالقتل قُتل من أي القسمين كان.
-الاعتماد على الشاهدين أو الإقرار بالاختيار في إثبات تهمة التجسس غير متأتٍ -غالبًا- في ساحات الجهاد، وأحوال الحرب، وعليه فالتقيد بها يلزم منه ضرورةً عدم التعرض لهم بحال، ومن ثم استمرار شرهم، وتفاقم ضررهم.
-ثبت بالشرع في مواضع متعددة الاعتماد على القرائن والشواهد والأمارات في تقوية التهم، وفي إثبات الأحكام بها أحيانًا، فمعنى البينة في الشرع أوسع منه في الاصطلاح.
-لا بأس بأن يعتمد المجاهدون في حربهم لجيوش الجواسيس على القرائن والأمارات والشواهد والملابسات التي يحصل بها اليقين - غالبًا- في المواطن التي يتعذر معها الإثبات بالشاهدين أو الإقرار، سواء في الجواسيس المقدور عليهم أو الممتنعين.)