(وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعَزِّرُ بِالْقَتْلِ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنَ الْجَرَائِمِ، إذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْلَ) قلنا أنَّ الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- يجيز القتل تعزيرًا، ويسمَّى عندهم بالقتل سياسة فيما تكرر من الجرائم، يعني قد لا تكون الجريمة قد شرع في جنسها القتل، ولكن تكررت جريمة هذا الإنسان فلم يُردع بالضَّرب ولا بالحبس ولا بغيره، فقال هذا يقتل لأنَّه صار بمنزلة الصَّائل الذي وجب دفعه، أو يقتل كذلك من ارتكب جريمة أو معصية شرع في جنسها القتل (كَمَا يُقْتَلُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ) فعندهم أنَّ اللوطية لا يُقتل وإنَّما يجلد، ولكن إذا تكرر منه هذا الفعل فقد شرع في جنسه القتل كرجم الزَّاني، لأنَّ هذا تعدٍّ على الأعراض، وهذا تعدٍّ على الأعراض فيقتل عندهم لكفِّ شرِّه (أَوْ اغْتِيَالُ النُّفُوسِ; لِأَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) فهذا إذا تكرر منه اغتيال النفوس فيقتل تعزيرًا.
هنا شيخ الإسلام بدأ يرجح جواز القتل تعزيرًا، وذلك أنَّ التعزير يُتدرج فيه فلا ينتقل الإمام أو الأمير إلى عقوبة وهو يعلم أنَّ ما دونها يؤدي الغرض ويزجر هذا الجاني، فلا بدَّ فيه من التدرُّج لأنَّه كما قلنا مبنيٌّ على الاجتهاد والنظر، فلا ينتقل إلى عقوبة أعلى وهو يعلم أنَّ ما دونها من العقوبات يؤدي المقصود. (وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ، مَتَى إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَرْفَجَةَ الأَشْجَعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ