(وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ فِي أَمْرِهِ بقَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ) قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ» [1] هذا الحديث جماهير العلماء على أنه منسوخ [2] ، وهذا كما ذكر الإمام الترمذي حديثين في كتابه لم يعمل بهما أحد من أهل العلم منها حديث قتل شارب الخمر في الرابعة. والذي رجحه شيخ الإسلام وتبعه ابن القيم وكذلك من المعاصرين الذين رجحوه العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- وذهب مذهبهم الشيخ الألباني -رحمه الله- إلى أن عقوبته هنا تعزيرية [3] ، وكذلك رجحه الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- [4] هؤلاء كلهم قالوا إن قتل شارب الخمر في الرابعة ليس منسوخًا وإنما عقوبته تعزيرية يعني لا تتحتم إن رأى الإمام
(1) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: ابن حبان (4447) ، والحاكم (8112) ، وأبو داود (4484) ، والنسائي (5662) ، وابن ماجه (2572) ، وأحمد (10740) . ومن حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه: ابن حبان (4446) ، والحاكم (8117) ، والترمذي (1444) ، وأبو داود (4482) ، وأحمد (16905) . ومن حديث قبيصة بن ذؤيب - رضي الله عنه: وأبو داود (4485) . ومن حديث شرحبيل بن أوس - رضي الله عنه: الحاكم (8121) ، وأحمد (18082) . ومن حديث جرير - رضي الله عنه: الحاكم (8113) . ومن حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه: الحاكم (8114) ، وأحمد (6197) ، ومن حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه: ابن حبان (4445) . ومن حديث الشريد بن سويد - رضي الله عنه: الحاكم (8118) . ومن حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه: الحاكم (8119) ] صححه الألباني [.
(2) . قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (11\ 217) : (وأما الخمر؛ فقد أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر، وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها، سواء شرب قليلًا أو كثيرًا، وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها وإن تكرر ذلك منه، هكذا حكى الإجماع فيه الترمذي وخلائق وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن طائفة شاذة أنهم قالوا يقتل بعد جلده أربع مرات للحديث الوارد في ذلك، وهذا القول باطل مخالف لإجماع الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يقتل وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات، وهذا الحديث منسوخ قال جماعة دل الإجماع على نسخه، وقال بعضهم نسخه قوله - صلى الله عليه وسلم:(لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ) وانظر: فتح الباري لابن حجر (12\ 78) .
(3) . قال الألباني في التعقيب على حديث أبي هريرة في الأمر بقاتل شارب الخمر في الرابعة: (وقد قيل إنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك بل هو محكم غير منسوخ كما حققه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على"المسند"(9/ 49 - 92) واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنا نرى أنه من باب التعزيز، إذا رأى الإمام قتل، و إن لم يره لم يقتل، بخلاف الجلد فإنه لابد منه في كل مرة و هو الذي اختاره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.) (السلسلة الصحيحة 3/ 347)
(4) . قال بكر أبو زيد: (فالأحاديث بقتله حدًّا منسوخة، والإجماع على نسخ الحد بالقتل لم ينخرم في عصره، والذي وقع فيه الإجماع على ترك الحد بالقتل للشارب بعد الرابعة. ولكن إذا أدمن النَّاس شربها وانهمكوا فيها، وتهالكوا في شربها، ولم يكن الحد بالجلد زاجرًا لهم، فإن للإمام أن يعزر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد، وردعا للفساد. وذلك تطبيقا لمبدإ سياسة الراعي للرعية سياسة شرعية فيما ظهرت فيه المصلحة، كما قرر ذلك أهل العلم في مدوناتهم، وذكروا له الأمثلة والنظائر كما في قتل الداعية إلى البدعة إذا افتتن به النَّاس ونحو ذلك. والله أعلم) (الحدود والتعزيرات عند ابن القيم؛ دراسة وموازنة 1\ 320)