أن يقتله قتله، وإن رأى أن يعاقبه بالجلد مرة أخرى جلده (بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ نُعَالِجُ بِهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ الْقَمْحِ، نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلاَدِنَا، قَالَ: «هَلْ يُسْكِرُ؟» ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْتَنِبُوهُ» ، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَاقْتُلُوهُمْ.» [1]
بعد أن ذكر شيخ الإسلام ما يُمكن أن يُستدل به على جواز قتل من لم ينكف فساده إلا بذلك، استدل بالتعليل أيضًا فقال: (وَهَذَا لِأَنَّ الْمُفْسِدَ كَالصَّائِلِ فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعِ الصَّائِلُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ) لكن هذه القواعد لا بدَّ من فهمها فهمًا دقيقًا، ولا بدَّ أن تطبَّق باحتراز تامٍّ، وإلا فهي مزلة أقدام، فقد يتهاون الإنسان في قتل من لم يكن فساده عامًا، أو قد يتهاون في قتل من يمكن أن يكفَّ شره بدون القتل، وقد يتهاون فيمن يظنُّ أنَّ فعله فساد، وهذه العبارة"من لم يندفع فساده إلا بالقتل قُتل"هي التي تسلَّط بها غلاة الجماعة الإسلامية المسلَّحة في الجزائر بقتل من خالفهم، فلذلك لا بدَّ أن يكون الإنسان دقيقًا في فهم كلام العلماء، وأهمُّ الضوابط هو أن نعلم أنَّ الإمام أو السُّلطان لا يجوز له أن ينتقل إلى عقوبة مهما كانت -فضلًا عن القتل- وهو يعلم أنَّ ما دونها يكفي، لأنَّه إذا تجاوز ما يكفي فقد تعدَّى وظلم، فالمقصود من العقوبة هو أولًا معاقبة الجاني على فعله ثم ردعه عن أن يعود إليه، ثم بعد ذلك ليرتدع غيره عندما يرونه قد عوقب، فإذا حصل المقصود بالتوبيخ فلا يجوز له بعد ذلك أن يتجاوزه إلى الحبس، وإذا حصل
(1) . من حديث ديلم الحميري - رضي الله عنه: أبو داود (3683) ، وأحمد (18064) ] صححه الألباني [.