المقصود بأن يُضرب خمس جلدات فليس له أن يضربه ست جلدات، وهكذا .. ، فإذن على الإمام أن يجتهد في جنس العقوبة وفي قدر العقوبة، وحيثما اجتهد في الجنس أو في القدر، وعلم أن هذا يكفي لزجر الجاني وهو المناسب والملائم لجريمته، فلا يجوز له أن يتعداه بحال.
(وَجِمَاعُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ جَزَاءً بِمَا كَسَبَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، كَجَلْدِ الشَّارِبِ وَالْقَاذِفِ، وَقَطْعِ الْمُحَارِبِ وَالسَّارِقِ. وَالثَّانِي: الْعُقُوبَةُ لِتَأْدِيَةِ حَقٍّ وَاجِبٍ) ما زال متلبسًا بتركه، كالذي يكون عليه دين ويأبى أن يقضيه مع يساره ومع وجود المال الذي يقضي به، فإنه يعاقب ما دام ممتنعًا عن قضاء الدين (وَتَرْكِ مُحَرَّمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) ما زال متلبسًا بفعله (كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْلِمَ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا فَقُتِلَ) يريد أن يقول كما أنَّ المفسد يُتدرج معه حتى تصل إلى القتل ما لم ينكف، فكذلك قال حاله كحال الذي يترك واجبًا فيُعاقب ما دام تاركًا لهذا الواجب تمامًا كحال المرتد، فإنَّ المرتدَّ يتدرج معه فيستتاب، ويُطلب منه أن يرجع إلى الإسلام ثم إذا أصرَّ وبقي متلبسًا بهذا الذنب وهو الردة قُتل. (وَكَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يُؤَدَّيهَا، فَالتَّعْزِيرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ) يعني في القسم الثَّاني التعزير فيه يكون أشد من التعزير في القسم الأول الذي يكون في معصية فعلها وانتهت. (وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» قَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُدُودِ اللَّهِ مَا