ما لا يخطر له على بال، وكذلك في المقابل إذا كان هذا الإنسان مفرطًا مضيعًا يبحث فقط عن حظِّ نفسه وكيف يُغني نفسه وأهله وأولاده، فسيرى من سخط الله ومن خذلان الله له. (قُلْتُ) شيخ الإسلام (هَذَا وَقَدْ كَانَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ، بِلَادِ التُّرْكِ، إلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْ جَزَائِرِ قُبْرُصَ وَثُغُورِ الشَّامِ وَالْعَوَاصِمِ كَطَرَسُوسَ وَنَحْوِهَا، إلَى أَقْصَى الْيَمَنِ. وَإِنَّمَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، مِنْ تَرِكَتِهِ شَيْئًا يَسِيرًا، يُقَالُ: أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. قَالَ: وَحَضَرْتُ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ، وَقَدْ اقْتَسَمَ تَرِكَتَهُ بَنُوهُ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَقَدْ رَأَيْت بَعْضَهُمْ، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ -أَيْ يَسْأَلُهُمْ بِكَفِّهِ- [1] ، وَفِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْحِكَايَاتِ وَالْوَقَائِعِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَسْمُوعَةِ عَمَّا قَبْلَهُ، مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ.)
(وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ أَمَانَةٌ يَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي مَوَاضِعَ، مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِأَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - فِي الإِمَارَةِ: «إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا.» [2] رَوَاهُ مُسْلِمٌ) يعني ستكون الولاية خزيًا على أصحابها، إلا في حق من أخذها بحقها -يعني قام فيها بما وجب عليه- وأدى الذي عليه فيها -يعني لم يستأثر بشيء دون النَّاس، فكان ناصحًا للناس فيها- هؤلاء الذين استثناهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقليل ما هم.
(1) . (فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز، يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك -مع كثرة ما ترك لهم من الاموال- يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لأن عمر وكل ولده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم.) (البداية والنهاية 9\ 235)
(2) . من حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه: مسلم (1825) ، والحاكم (7020) ، وأحمد (21552) .