هنا عن إنسان ولَّاه في جهة معينة وهو غائب عنه، ولا شك أن الوالي ما دام فيه قصور، فلا بدَّ أن يقع اضطراب واختلال في ولايته، فهذا الاضطراب والاختلال لا يتحمل تبعته شرعًا -من جهة الأجر والعقاب- من ولَّاه، لأنه أمر بأن يتقي الله ما استطاع، وطاقته واستطاعته منحصرة في أن يولي الأمثل، وهذا الذي فعله.
(وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105] .فَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَقَدْ اهْتَدَى) والواجب المقدور على هذا الوالي أن يبحث عن الأمثل. (وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [1] . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [2] ، لَكِنْ إذَا كَانَ مِنْهُ عَجْزٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، أَوْ خِيَانَةٌ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ) يعني كان من هذا المُولَّى عجز عن القيام بالولاية، ولا حاجة إليه، وليس هو الأمثل، ولم نضطر إلى ذلك، أو كانت منه خيانة، وهذا الوالي ولَّاه مع ذلك، قال شيخ الإسلام عوقب على ذلك، لأنه لم يؤد الواجب على الصورة الكاملة، لم يتق الله ما استطاع. (وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْلَحَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ، فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص:26] وَقَالَ صَاحِبُ مِصْرَ لِيُوسُفَ عليه السلام: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف:54] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ
(1) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: البخاري (6858) ، ومسلم (1337) ، وابن خزيمة (2508) ، وابن حبان (19) ، والنسائي (2619) ، وابن ماجه (2) ، وأحمد (7492) .
(2) . يقول العز بن عبد السلام: (لو تعذرت العدالة في جميع النَّاس، لما جاز تعطيل المصالح المذكورة، بل قدمنا أمثل الفسقة فأمثلهم، وأصلحهم للقيام بذلك فأصلحهم، بناء على أنَّا إذا أُمرنا أتينا منه بما قدرنا عليه، ويسقط عنا ما عجزنا عنه، ولا شكَّ أن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، وقد قال شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} ، وقال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، فعلَّق تحصيل مصالح التقوى على الاستطاعة، فكذلك المصالح كلها.) قواعد الأحكام (2\ 37) .