فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 346

أَبَي ذَرٍّ» [1] فانظر إلى حال أبي ذر - رضي الله عنه - في باب الأمانة، وفي باب الصدق فهو يفوق خالدًا - رضي الله عنهم - أجمعين، وأمَّا في باب الولايات فهو ضعيف، كما وصفه - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قال له: لا تتولَّى على اثنين، ولا تتولَّى مال يتيم، لأن ضعفك قد يؤدي بك إلى شيء لا يريده الله - سبحانه وتعالى - [2] ، وخالد - رضي الله عنه - مع أنه أقلّ من أبي ذر في هذا الباب، ولكنه في باب القوة والحرب والشجاعة والخبرة فهو يفوق أبا ذر، فكان يؤمِّره ولا يؤمِّر أبا ذر، بل كان يؤمِّره على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - أجمعين.

(وَأَمَّرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ اسْتِعْطَافًا لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ، عَلَى مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَأَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، لِأَجْلِ ثَأْرِ أَبِيهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ لِمَصْلَحَةٍ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَكُونُ مَعَ الْأَمِيرِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فِي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. [3] يعني هناك التولية المستمرة وأحيانًا تكون التولية الطارئة، فأحيانًا في معركة من المعارك، أو في أمر من الأمور، تولِّي هذا الشخص مع وجود من هو أفضل منه، لأن هذا الشخص معه مصلحة راجحة تجعله يُقَدَّم في هذا الموطن كحال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب للناس أن يهتدوا ويدخلوا في دين الله - عز وجل - قبل القتال، فولَّى عمرو بن العاص على جيش فيه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -، حتى اشتد الكلام مرة بين عمر وبين عمرو بن العاص عندما منع عمرٌو إيقاد النار مع برودة الجو، حتى استشفعوا عند أبي بكر - رضي الله عنه - فنهاهم، وقال:"لا يوقد أحد النار" [4] ، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمّر عمرَو بن العاص لأن القوم الذي أرسله إليهم كانوا أقاربه، فلعلهم يميلون إلى الإسلام برؤية أن أحد أقاربهم أمير على المسلمين، وأمّر أسامة بن زيد - رضي الله عنه - لأن والده زيد قتل في مؤتة، فأمَّره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عندما أرسل الجيش إلى الروم طلبًا لثأر أبيه. فهكذا قد يكون هناك بعض المصالح الراجحة الواضحة التي تجعلك تؤمِّر شخصًا في هذا الموطن على غيره. فالمقصود هنا عند التعارض ينظر في كل ولاية من هو الأنفع لها، إذا كانت الولاية تحتاج إلى الأمانة قُدِّم الأمين على القوي، وإذا كانت الولاية تحتاج إلى القوة قُدِّم القوي على الأمين.

(وَهَكَذَا أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه - مَا زَالَ يَسْتَعْمِلُ خَالِدًا فِي حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَفِي فَتُوحَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَبَدَتْ مِنْهُ هَفَوَاتٌ) أي وقع في بعض الزلات، منها قتله لمالك بن نُوَيْرَةَ، حتى أن عمر - رضي الله عنه - طلب من أبي بكر أن يقتصَّ من خالد، ويقتله قصاصًا مقابل قتله لمالك بن نويرة، وقد قتله متأولًا - رضي الله عنه - [5] (كَانَ لَهُ فِيهَا تَأْوِيلٌ، وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهَا هَوًى) يعني ذُكر لأبي بكر أنَّ خالدًا فعل هذه الأمور، ووقع في هذه الهفوات

(1) . من حديث عبد الله بن عمرو العاص - رضي الله عنه: الحاكم (5461) ، والترمذي (3801) ، وابن ماجه (156) ، وأحمد (6519) ] صححه الألباني [. ومن حديث علي - رضي الله عنه: الحاكم (8478) . ومن حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه: ابن حبان (7132) ، والترمذي (3802) ] حسنه الألباني [. ومن حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه: الحاكم (5462) ، وأحمد (27533) ] حسنه الأرنؤوط بطرقه وشواهده [.

(2) . قال الذهبي بعد إيراده الحديث (يا أبا ذر إني أراك ضعيفا ... ) : (فهذا محمول على ضعف الرأي؛ فإنه لو ولي مال يتيم لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرا. فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادخار النقدين. والذي يتأمر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر -رضي الله عنه- كانت فيه حدة - كما ذكرناه - فنصحه النبي - صلى الله عليه وسلم -) سير أعلام النبلاء (2\ 75) .

(3) . حكم تولية المفضول مع وجود الأفضل: الحاوي الكبير (16\ 161) ، الذخيرة (10\ 26) ، روضة الطالبين (8\ 80) ، الفروع (11\ 99) ، الموسوعة الفقهية الكويتية (6\ 225 - 226) ، شرح صحيح البخاري لابن بطال (8\ 464.) ، وقال الإمام الجويني في غياث الأمم (1\ 123) : (فأقول لا خلاف أنه إذا عسر عقد الإمامة للفاضل، واقتضت مصلحة المسلمين تقديم المفضول، وذلك لصغو النَّاس، وميل أولي البأس والنجدة إليه، ولو فرض تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن، وثارت المحن، ولم نجد عددا، وتفرقت الأجناد بددا، فإذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة، تقتضي تقديم المفضول قدم لا محالة، إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة، فإذا كان في تقديم الفاضل اختباطها وفسادها، وفي تقديم المفضول ارتباطها وسدادها، تعيَّن إيثار ما فيه صلاح الخليقة باتفاق أهل الحقيقة) .

(4) . ولفظه: (بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص - رضي الله عنه - في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- فلما انتهوا إلى مكان الحرب، أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارا، فغضب عمر، وهمَّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه عمر) الحاكم (4357) .

(5) . قصة قتل مالك بن نويرة: البداية والنهاية (4\ 360) (6\ 354) ، تاريخ الإسلام للذهبي (3\ 32 - 37) ، الكامل في التاريخ (2\ 216 - 218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت