يُؤْثِرُ اسْتِنَابَةَ خَالِدٍ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -، يُؤْثِرُ عَزْلَ خَالِدٍ، وَاسْتِنَابَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ - رضي الله عنه - ; لِأَنَّ خَالِدًا كَانَ شَدِيدًا، كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ لَيِّنًا كَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ الْأَصْلَحُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ وَلَّاهُ، لِيَكُونَ أَمْرُهُ مُعْتَدِلًا) ولذلك فإنَّ عمر - رضي الله عنه - أول ما تولَّى الإمارة عزل خالدًا وعيّن أبا عبيدة - رضي الله عنه - [1] . (وَيَكُونَ بِذَلِكَ مِنْ خُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، الَّذِي هُوَ مُعْتَدِلٌ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، أَنَا نَبِيُّ الَمْلحَمَةِ» [2] . وَقَالَ: «أَنَا الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ» [3] . وَأُمَّتُهُ وَسَطٌ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح:29] ، وَقَالَ تَعَالَى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] ، وَلِهَذَا لَمَّا تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رضي الله عنهما- صَارَا كَامِلَيْنِ فِي الْوِلَايَةِ، وَاعْتَدَلَ مِنْهُمَا مَا كَانَ يُنْسَبَانِ فِيهِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ لِينِ أَحَدِهِمَا وَشِدَّةِ الْآخَرِ) يعني عمر - رضي الله عنه - كان يُنسب إلى الشدة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر كان ينسب إلى اللين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما ظهر منهما هذا في أسرى بدر، فعمر رأى أن تُضرب أعناقهم جميعًا، وأبو بكر - رضي الله عنه - قال إنما هم بنو العمومة ثم طلب أن يفادوا بالمال لعل الله أن يهديهم [4] ، فهذا جرى عليه ما يغلب عليه طبعه من
(1) . البداية والنهاية (7\ 23) (7\ 92 - 93) (7\ 130 - 133) ، تاريخ الإسلام (3\ 124) .
(2) .من حديث أبي موسى - رضي الله عنه: ابن حبان (6314) ، وأحمد (19543) ] وصحح إسناده الأرنؤوط[، ولفظ مسلم (2355) : ( .... ونبي التوبة، ونبي الرحمة) فلم يذكر الملحمة.
(3) .أشار ابن القيم إلى أن هذه الصفة مذكورة في الكتب المتقدمة فقال: (وأما صفته - صلى الله عليه وسلم - في بعض الكتب المتقدمة بأنه الضحوك القتال فالمراد به أنه لا يمنعه ضحكه وحسن خلقه إذا كان حدًّا لله وحقًا له، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه) (هداية الحيارى:1\ 160) ، وأورد ابن فارس أثرًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (اسمه في التوراة: أحمد الضحوك القتال، يركب البعير، ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسرة سيفه على عاتقه) .
(4) . من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: الحاكم (4304) ، والترمذي (3084) ، وأحمد (3632) ] ضعفه الألباني [، ومن حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - عن عمر - رضي الله عنه: مسلم (1763) ابن حبان (4793) ، وأحمد (208) ، ومن حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه: الحاكم (3270) .