فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 346

اللين، وذاك جرى عليه ما يغلب عليه طبعه من الشدة، ومع وجود هذه الصفة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - واشتهارهما بها، إلا أنه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - جرت أمورهما باعتدال، فما ظهر لين أبي بكر فغلب، وما ظهرت شدة عمر فغلبت، وإنما جرت أمورهما باعتدال، لأن هذا ولَّى اللين معه -أقصد عمر- وهذا ولَّى الشديد معه -أقصد أبا بكر-. (حَتَّى قَالَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اقْتَدُوا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» [1] . وَظَهَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ شَجَاعَةِ الْقَلْبِ، فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مَا بَرَزَ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - أَجْمَعِينَ) فالله عصم به أمة الإسلام في هذا الموقف، وكذلك في الموقف عندما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما في حرب الردِّة فقد قال له الصحابة تألَّف النَّاس فليس لدينا قوة، فوقف أبو بكر - رضي الله عنه - ذلك الموقف فقال:"والله لو منعوني عناقًا -وفي رواية عقالًا- كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها"حتى الصحابة قالوا له بمن تقاتلهم؟. فقال لهم:"أقاتلهم وحدي، والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي"فبعد ذلك عمر - رضي الله عنه - قال:"فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق" [2] حتى أن الصحابة قالوا:"لولا أبو بكر لكفرنا" [3] يعني لولا أنَّ الله سخَّر لنا أبا

(1) . من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه: ابن حبان (6902) ، والحاكم (4451) ، والترمذي (3662) ، وابن ماجه (97) ، وأحمد (23324) ] صححه الألباني [.

(2) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: البخاري (6855) ، ومسلم (20) ، وابن حبان (217) ، والترمذي (2607) ، وأبو داود (1556) ، والنسائي (2443) .

(3) . قال أبو هريرة - رضي الله عنه: (والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مهٍ يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجَّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر ردَّ هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره لو جرت الكلابُ بأرجل أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رددت جيشًا وجَّهه رسول الله، ولا حللت لواءً عقده رسول الله، فوجَّه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أنَّ لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام) البداية والنهاية (6\ 336) ، ويقول وكيع بن الجراح: (لولا أبو بكر الصديق لذهب الإسلام) (أحمد في فضائل الصحابة:111) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت