يسمعه، لكن عندما يكون ناقصًا فهذا النقص لا بدَّ أن نسده، وإلا سيقع خلل واضطراب على القرارات والأوامر التي سيتخذها، فنشده بأن نلزمه برأي الأغلبية الذين يكونون معه في مجلس الشورى، وهذا بالتجربة وجدناه أفضل الطرق في ضبط مسيرة الجماعات، والله أعلم. وأخذنا هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأصل في الولاية أن يكون عليها رجل واحد، ولكن بسبب النقص وحتى تسير أمور الولاية على الوجه الشرعي الصحيح الأقرب إلى الصواب جوَّز شيخ الإسلام أن يُعدَّد الولاة في الولاية الواحدة تكميلًا لهذا النقص، لذلك قال شيخ الإسلام: (وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْوِلَايَاتِ إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَصْلَحَةُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، جَمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَصْلَحِ، أَوْ تَعَدُّدِ الْمُوَلَّى، إذَا لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ تَامٍّ.) [1]
(1) . قال الشيخ عطية الله الليبي: (والأصل عندي في الشورى أن تكون مُعلمة غير ملزمة، والأدلة على هذا كثيرة وواضحة، ولكن ههنا مسألة أخرى، وهي أن يُقال إن الأمراء في عصرنا هذا في الغالب بل في كل الأحوال التي رأيناها ورآها النَّاس لا تتوفر لديهم كثير من الصفات والشرائط والفضائل التي كان يتصف بها الأمراء في الأجيال الأولى، وهذا أمر واضح وجلي، والتجارب دلّت عليه، فجعل الشورى مجرد معلمة فقط لا ملزمة، بحيث يفعل الأمير ما يراه ولو خالفه الكل أو الجُل، أقول إن التجارب دلت على أن هذا من المَقاتل، ومواطن الخلل في الطوائف المجاهدة، بل هو من المهالك لا محالة!!
من أجل ذلك فنرى أن يوضع ميثاق أو اتفاق، يقال فيه للأمير إن من صلاحياتك كذا، وليس من صلاحياتك كذا، ولا تستطيع أن تتخذ في هذه الأمور قرارًا بمفردك حتى يوافقك أهلُ الحل والعقد والشورى جميعهم أو ثلثاهم أو أكثر من نصفهم مثلًا، وهذا جائز ولله الحمد، وليس هناك ما يمنع منه شرعًا، بل هو ما نراه أنسب لمثل حالنا، وتكمن فيه مصلحتنا، فحالنا اليوم بالنسبة لهذا الأمر هو من قبيل الضرورات، أو الحاجة الشديدة الملحّة على الأقل، فينبغي التوسط في مسألة الشورى، بأن تُجعل الشورى ملزمة للأمير في مسائل تم تحديدها أو حددت أنواعها من قبل الطائفة المجاهدة، وتُجعل أي الشورى غير ملزمة (بل مُعلمة فقط) في سائر المسائل الأخرى، ويمكن تحديد صلاحيات الأمير في بعض المسائل بحيث يقال له ليس من صلاحياتك أن تتخذ بنفسك قرارًا في المسائل التالية (وتذكر بأفرادها أو أنواعها) ، وإنما القرار فيها يتخذ بالأغلبية في مجلس الشورى مثلا.
فالشورى في الأصل نعم معلمة وليست ملزمة، هذا الأظهر والواضح من الأدلة، لكن للحاجة الشديدة أو الضرورة فنحن ننتقل إلى مسألة تحديد الصلاحيات للأمير، بحيث يشاركه أهل الحل والعقد والشورى في اتخاذ القرار في المسائل الكبيرة، وبناء عليه تكون الشورى معلمة من وجه (في بعض المسائل) ، وملزمة من وجه آخر (في قسم آخر من المسائل والقضايا التي يمكن تحديد أنواعها أو أجناسها) ، وبالتالي اجتمع عندنا إعلام في المسائل غير المصيرية، وإلزام في المسائل المصيرية، والله أعلم وأحكم) (مبادئ قتالية لدى الطائفة المنصورة القتالية - مجلة طلائع خراسان العدد 14.)