(قُدِّمَ الدَّيِّنُ وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الدِّينِ أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْحُكُومَاتِ) يعني القضايا (قُدِّمَ الْعَالِمُ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُقَدِّمُونَ ذَا الدِّينِ) وإن كان جاهلًا، وهذا يدلُّنا على شيء، وهو أنَّ الشريعة -كما سيذكر شيخ الإسلام- قائمة على تحصيل المصالح وتكميلها أي تسعى لأن تحصل المصلحة كاملة، وإذا لم يمكن تحاول أن تكملها ولو جزءًا منها، وكذلك تعطيل المفاسد أو تقليلها، فقد لا تعطل المفسدة كاملة، فهذا القاضي الجاهل لا شك أنه سيقع في أخطاء، ولكن ترك النَّاس بغير قضاء مفسدته أعظم من هذا بكثير (فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ) أي ليس مخروم الشهادة ليس فاسقًا، قالوا:
والعدل من يجتنب الكبائر ** ويتقي في الغالب الصغائر
وما أبيح وهو في العِيان ** يقدح في مروءة الإنسان [1]
(وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ) فشرط العدالة اتفق عليه العلماء في أن يكون في الوالي، أما اشتراطهم للعلم فقد اختلفوا فيه، ولذلك عندما فُقد العلم هناك فُقد شيء مختلف فيه فقدم الجاهل أي المقلد، وأما العالم الفاسق فإن الصفة التي فقدها هي صفة متَّفق على اشتراطها وهي العدالة فلذلك أُخِّرَ (هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا) فالمقلد لا يعدونه من العلماء (أَوْ الْوَاجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ؟) ولو كان دون المقلد، أو حتى لو كان هذا الوالي ليس عدلًا وفاقدًا لشروط الشهادة (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ وَبُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى
(1) . مراقي السعود.