هَذَا -يَعْنِي الْمُصْحَفَ" [1] السيف والقرآن لا يفترقان، وإنما ينبغي أن يُضبط السيف بالقرآن، وأن يُحفظ ويُحمى القرآن بالسيف، كما تدل عليها هذه الآية التي ذكرها شيخ الإسلام، وقال شيخ الإسلام: (مَنْ عَدَلَ عَنْ الْكِتَابِ) يعني الذي مال عن الكتاب، وحاد عنه، ولحد فيه (قُوِّمَ بِالْحَدِيدِ) رُدَّ إلى الحقِّ بالقوة، وهذا كل حال بحسبها، فمن ذلك مثلًا الحاكم إذا كفر، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا» [2] فهؤلاء عدلوا عن الكتاب إلى غيره، ومالوا عن الشرع إلى ما سواه، فهؤلاء يقوَّمون بالحديد: المقصود به السَّيف والمقصود به الجهاد في سبيل الله. ومقصود شيخ الإسلام إجمالًا هنا أنَّ الدِّين لا بدَّ له من المصحف والقوَّة، يعني لا بُدَّ له من سلطان القوَّة، وسلطان الحجَّة، كما ذكر ذلك في أوَّل الكتاب."
(فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَإِنَّهُ يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَيَنْظُرُ إلَى الرَّجُلَيْنِ، أَيُّهُمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْمَقْصُودِ وُلِّيَ، فَإِذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ مَثَلًا، إمَامَةَ صَلَاةٍ فَقَطْ، قُدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وًلًا يَؤُمَّنَ
(1) . الحاكم (5842) ، ولفظه: (بعثني عثمان - رضي الله عنه - في خمسين فارسًا إلى ذي خشب، وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف، وفي يده سيف، وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا، على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس، فقد ضربنا بهذا، على ما في هذا، قبل أن تولد، فلم يزل يكلمه حتى رجع) ، وعند ابن عساكر في"تاريخ دمشق" (52/ 279) (عن عمرو بن دينار، قال: رأيت جابر بن عبد الله، وبيده السيف، والمصحف، وهو يقول:(أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أن نضرب بهذا، من خالف ما في هذا) .
(2) . من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه: البخاري (6647) ، ومسلم (1709) ، وأحمد (22731) .