فهرس الكتاب
المبحث الثالث
علاقة الإبهام والبيان والإجمال والتفصيل
(1) الإبهام والبيان:
الإبهام في اللغة: مصدر مشتق من مادة (بَهَمَ) ، وقد حدّه ابن فارس [1] وبيّن أصوله بقوله: (( الباء والهاء والميم. أن يبقى الشيءُ لا يُعرَف المأتي إليه، فيقال: هذا أمرٌ مُبهم ) ).
أمّا اصطلاحًا فيراد به: إبهام الأمر على المُتلقّي واشتباه الفهم لديه، أو بعبارة أخرى هو: (( أن يأتي المتكلم بكلامٍ مُبهمٍ يحتمل معنيين مُتضادين لا يُميز أحدهما عن الآخر ) ) [2] .
أمّا (البيان) فمصدر من الفعل الثلاثي (بانَ) بمعنى: تَبَيَّن وظَهرَ، واسم من (بّين) ، كالسّلام من (سَلَّمَ) والكلام من (كَلَّمَ) ، وهو كل (( ما يُتبيَّن به الشيء من الدلالة وغيرها، وبان الشيء بيانًا: اتضح فهو بَيًّن ) ) [3] . ويحمل البيان دلالتين لغويتين هما: بُعدُ الشيءِ، وانكشافُه وظهوره (( فالباء والياء والنون أصلٌ واحدٌ، وهو بُعدُ الشيء وآنكشافُه، .. وبَانَ الشيءُ وأبان اتضح وانكشف، وفلان أبْيَن من فلان، أي: أوضحُ كلامًا منه ) ) [4] . أمّا مفهومه حسب نُقل العُرف له فهو: (( ما تبين به من الدلالة وغيرها ) ) [5] .
ويعد الإبهام نوعًا من أنواع المحسنات المعنوية في علم البديع، الذي يسميه السكاكي (ت626هـ) ومن تبعه (( توريةً ) ) [6] ، ويسمى صاحب جواهر البلاغة التورية (( إيهامًا وتخييلًا ) ) [7] . ومن ذلك قوله جل وثناؤه: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَنُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} [8] . فظهر المعنى في الآية الكريمة في صورتين: الأولى مبهمة متمثلة بالفعل الماضي (وَسْوَس) ، والثانية مُبيًّنَة وموضَّحَة في قوله: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ
(1) مقاييس اللغة 1/ 311 (بهم) .
(2) الكليات 1/ 28.
(3) الصحاح 5/ 2083 (بين) .
(4) مقاييس اللغة 1/ 327 - 328 (بين) .
(5) الكليات 1/ 395.
(6) الكليات 1/ 28.
(7) جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، أحمد الهاشمي /363، منشورات دار إحياء التراث / ط2 - بيروت، لبنان، (د. ت) .
(8) طه /120.