إلى الصدق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعصمني من الكذب فلم أهلك كما هلك الذين كذبوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنافقين"فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد"أي قال فيهم شر كلام قاله في أحد من البشر، ووصفهم بأقبح الصفات القبيحة"فقال الله عز وجل (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) "يعني فقال الله في حقهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه. حيث أمر عز وجل بالإِعراض عنهم وعدم معاتبتهم احتقارًا لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم، لأنهم"رجس"، والرجس والنجس بمعنى واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة [1] .
من فوائد الحديث:
1 -جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب، والسعي للظفر بها.
2 -جواز الغزو في الشهر الحرام.
3 -التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره.
4 -أن الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد تخلف، وقال السهيلي: إنما اشتد الغضب على من تخلف، وإن كان الجهاد فرض كفاية؛ لكنه في حق الأنصار -خاصة- فرض عين؛ لأنهم بايعوا على ذلك.
5 -أن العاجز عن الخروج للجهاد -الواجب- بنفسه أو بماله لا لوم عليه.
6 -استخلاف من يقوم مقام الإمام على أهله والضعفة ومصالح المسلمين.
7 -وفيها ترك قتل المنافقين، ويُستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة، وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمصلحة التأليف على الإسلام.
8 -وفيها عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه بن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بِمَنْ يُوَاقِعُ الفواحش والكبائر؟.
9 -وفيها أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين.
(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 5)