فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 451

مُنْتَهِيَةٌ إِلَى قُرْبِ الِاسْتِوَاءِ أَوْ صَلِّ مَا شِئْتَ، ("فَإِنَّ الصَّلَاةَ") ، أَيْ: بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، أَوْ إِنَّ الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ ("مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ") ، أَيْ: يَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ لِيَكْتُبُوا أَجْرَهَا وَيَشْهَدُوا بِهَا لِمَنْ صَلَّاهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ:"مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ"، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: يَحْضُرُهَا أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ؛ فَمَحْضُورَةٌ: تَفْسِيرُ مَشْهُودَةٌ وَتَأْكِيدٌ لَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَشْهُودَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَمَحْضُورَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، أَوِ الْأُولَى بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ لِلتَّبَرُّكِ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ وَفِيهِ بَيَانٌ لِفَضِيلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، ("حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ") ، أَيْ: حَتَّى يَرْتَفِعَ الظِّلُّ مَعَ الرُّمْحِ، أَوْ فِي الرُّمْحِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَرْتَفِعُ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، أَيْ: بِارْتِفَاعِ الرُّمْحِ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ بِمَعْنَى الِارْتِفَاعِ.

قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَمْ يَبْقَ ظِلُّ الرُّمْحِ، وَهَذَا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى عِنْدَ الزَّوَالِ ظِلٌّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، بَلْ يَرْتَفِعُ عَنْهَا، ثُمَّ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ جَانِبِ الْمَشْرِقِ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ يَقَعُ الظِّلُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: مِنَ الْقِلَّةِ يُقَالُ: اسْتَقَلَّهُ إِذَا رَآهُ قَلِيلًا، أَيْ: حَتَّى يَقِلَّ الظِّلُّ الْكَائِنُ بِالرُّمْحِ أَدْنَى غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِظِلِّ الزَّوَالِ اهـ.

وَرُوِيَ: حَتَّى يَسْتَقِلَّ الرُّمْحُ بِالظِّلِّ، أَيْ: يَرْفَعُ الرُّمْحَ ظِلَّهُ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ بَقَاءِ ظِلِّ الرُّمْحِ عَلَى الْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ، وَتَخْصِيصُ الرُّمْحِ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ رَكَزُوا رِمَاحَهُمْ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى ظِلِّهَا.

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ:"حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ"، أَيْ: يَقُومَ مُقَابِلَهُ فِي جِهَةِ الشَّمَالِ لَيْسَ مَائِلًا إِلَى الْمَغْرِبِ، وَلَا إِلَى الْمَشْرِقِ وَهُوَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِيهِ تَحْرِيفٌ وَصَوَابُهُ:"حَتَّى يَسْتَقِلَّ الرُّمْحُ بِالظِّلِّ"، وَوَافَقَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: يَسْتَقِلُّ الرُّمْحُ بِالظِّلِّ: يَبْلُغُ ظِلُّ الرُّمْحِ الْمَغْرُوزِ فِي الْأَرْضِ أَدْنَى غَايَةِ الْقِلَّةِ وَالنَّقْصِ، فَقَوْلُهُ: يَسْتَقِلُّ مِنَ الْقِلَّةِ لَا مِنَ الْإِقْلَالِ وَالِاسْتِقْلَالِ الَّذِي بِمَعْنَى الِارْتِفَاعِ وَالِاسْتِبْدَادِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: كَيْفَ تَرُدُّ نُسَخَ الْمَصَابِيحِ مَعَ مُوَافَقَتِهَا بَعْضَ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابَ الْحُمَيْدِيِّ؟! وَلَهَا مَحَامِلُ مِنْهَا: أَنْ يَرْتَفِعَ الظِّلُّ مَعَهُ وَلَا يَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَقَلَّتِ السَّمَاءُ: ارْتَفَعَتْ، وَمِنْهَا: أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ يُعْلَمُ قِلَّةُ الظِّلِّ بِوَاسِطَةِ ظِلِّ الرُّمْحِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ: عُرِضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ اهـ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِهِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ مُطْلَقًا مُسْتَدِلًّا بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَرَى النَّاسَ يُصَلُّونَ حِينَئِذٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قُلْتُ: تَحَقُّقُ صَلَاتِهِمْ فِي خُصُوصِ تِلْكَ السَّاعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ وَتَدْقِيقٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لَا يَنْهَضُ لَهُ ; لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُسْتَثْنَى كَمَا يَأْتِي اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت