فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 451

وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لَهُ وَكَفَى لَهُ شَرَفًا بِذَلِكَ، قُلْتُ: وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا.

رَوَى عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ بِقَوْلِهِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَيْ: صَادَفْتَ رَحْبًا وَسِعَةً وَأَهْلًا تَسْتَأْنِسُ بِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمُرَاجَعَتِهَا الْكَلَامَ لِلْحَاجَةِ، وَجَوَازُ إِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي دُخُولِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِمَنْ عَلِمَتْ عِلْمًا مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخُلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ. (فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: أَكْرَمَ عَلِيَّ اللَّهُ (أَضْيَافًا مِنِّي) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الشُّكْرِ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ وَانْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِظْهَارِ الْبِشْرِ وَالْفَرَحِ بِالضَّيْفِ فِي وَجْهِهِ (قَالَ) : أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ أَوْ سَمِعَ مِنْهُمْ (فَانْطَلَقَ) : أَيْ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ. فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّمَائِلِ، (فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ"بِقِنْوٍ"كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ مِنَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الْعُنْقُودِ مِنَ الْعِنَبِ (فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ) : أَيْ فَوَضَعَهُ فَقَالَ: (كُلُوا مِنْ هَذِهِ) : أَيِ التَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعِهَا. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: (أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: ( «هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْئَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طِيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ» "فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَضَعَ لَهُمْ طَعَامًا انْتَهَى.

قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْكِبَاسَةُ وَهِيَ الْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ، وَإِكْرَامُهُ بَعْدَهُ بِمَا يَصْنَعُ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ: وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ التَّكَلُّفَ لِلضَّيْفِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ، وَأَمَّا فِعْلُ الْأَنْصَارِيِّ وَذَبْحُهُ الشَّاةَ، فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ، بَلْ لَوْ ذَبَحَ أَغْنَامًا لَكَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ مَغْبُوطًا فِيهِ انْتَهَى. وَسَبَبُهُ أَنَّهُ صَارَ صَدِيقًا لَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَلِصَاحِبَيْهِ، حَيْثُ عَلِمُوا رِضَاهُ وَفَرَحَهُ بِمَا أَتَاهُمْ، وَنَظِيرُهُ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ صَارَ ضَيْفًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَرَأَى فِي يَدِ عَبْدِ الْمُضِيفُ وَرَقَةً فِيهَا شِرَاءُ أَسْبَابِ أَنْوَاعِ الطَّبِيخِ الَّتِي أَرَادَهَا سَيِّدُهُ، فَأَخَذَهَا الشَّافِعِيُّ، وَأَلْحَقَ فِيهَا نَوْعَ طَبِيخٍ كَانَ مُشْتَهًى لَهُ، فَلَمَّا مَدَّ السِّمَاطَ اسْتَغْرَبَ الْمُضِيفُ ذَلِكَ النَّوْعَ، وَنَادَى عَبْدَهُ سِرًّا وَسَأَلَهُ فَذَكَرَ لَهُ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَحًا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرَ اسْتِبْشَارًا عَظِيمًا. وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِثْلَ هَذَا الْإِمَامِ الْهُمَامِ رَاضِيًا لِأَنْ أَكُونَ صَدِيقًا لَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] (وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَقَدْ يُكْسَرُ أَوَّلُهُ وَاحِدُ الْمُدَى، وَهَى سِكِّينُ الْقَصَّابِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْمُدْيَةُ مُثَلَّثَةُ الشَّفْرَةِ. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ» ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ ذَاتَ اللَّبَنِ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لَا تَذْبَحَنَّ لَنَا شَاةً ذَاتَ دَرٍّ (فَذَبَحَ لَهُمْ) : أَيْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا فَأَتَاهُمْ بِهَا، كَمَا فِي رِوَايَةِ (فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت