فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 451

قُلت: ويَحتَمِل الجَمع بِأَنَّ المُراد بِالزّادِ فِي حَدِيث ابن عَبّاس ما تَزَوَّدَهُ لَمّا خَرَجَ مِن قَومه فَفَرَغَ لَمّا أَقامَ بِمَكَّة، والقِربَة الَّتِي كانَت مَعَهُ كانَ فِيها الماء حال السَّفَر فَلَمّا أَقامَ بِمَكَّة لَم يَحتَج إِلَى مَلئِها ولَم يَطرَحها، ويُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وقَعَ فِي رِوايَة أَبِي قُتَيبَة المَذكُورَة"فَجَعَلت لا أَعرِفهُ، وأَكرَه أَن أَسأَل عَنهُ، وأَشرَب مِن ماء زَمزَم، وأَكُون فِي المَسجِد"الحَدِيث.

قَوله:"ارجِع إِلَى قَومك فَأَخبِرهُم حَتَّى يَأتِيك أَمرِي"؛ فِي رِوايَة أَبِي قُتَيبَة"اُكتُم هَذا الأَمر، وارجِع إِلَى قَومك فَأَخبِرهُم، فَإِذا بَلَغَك ظُهُورنا فَأَقبِل".

وفِي رِوايَة عَبد الله بن الصّامِت"إِنَّهُ قَد وُجِّهَت لِي أَرض ذات نَخل، فَهَل أَنتَ مُبَلِّغ عَنِّي قَومك عَسَى الله أَن يَنفَعهُم بِك"فَذَكَرَ قِصَّة إِسلام أَخِيهِ أُنَيس وأُمّه وأَنَّهُم تَوجَّهُوا إِلَى قَومهم غِفار فَأَسلَمَ نِصفهم، الحَدِيث.

قَوله:"لأَصرُخَنَّ بِها"؛ أَي بِكَلِمَةِ التَّوحِيد، والمُراد أَنَّهُ يَرفَع صَوته جِهارًا بَين المُشرِكِينَ، وكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُ بِالكِتمانِ لَيسَ عَلَى الإِيجاب بَل عَلَى سَبِيل الشَّفَقَة عَلَيهِ، فَأَعلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّة عَلَى ذَلِكَ، ولِهَذا أَقَرَّهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ، يُؤخَذ مِنهُ جَواز قَول الحَقّ عِند مَن يُخشَى مِنهُ الأَذِيَّة لِمَن قالَهُ وإِن كانَ السُّكُوت جائِزًا، والتَّحقِيق أَنَّ ذَلِكَ مُختَلِفٌ بِاختِلافِ الأَحوال والمَقاصِد، وبِحَسَبِ ذَلِكَ مُتَرَتِّب وُجُود الأَجر وعَدَمه.

قَوله:"ثُمَّ قامَ القَوم"؛ فِي رِوايَة أَبِي قُتَيبَة"فَقالُوا قُومُوا إِلَى هَذا الصّابِي"بِالياءِ اللَّيِّنَة"فَقامُوا"وكانُوا يُسَمُّونَ مَن أَسلَمَ صابِيًا لأَنَّهُ مِن صَبا يَصبُو إِذا انتَقَلَ مِن شَيء إِلَى شَيء.

قَوله:"فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوجَعُوهُ"؛ فِي رِوايَة أَبِي قُتَيبَة"فَضُرِبت لأَمُوتَ"أَي ضُرِبت ضَربًا لا يُبالِي مَن ضَرَبَنِي أَن لَو أَمُوت مِنهُ.

قَوله:"فَأَقلَعُوا عَنِّي"أَي كَفُّوا.

قَوله:"فَأَكَبَّ العَبّاس عَلَيهِ"؛ فِي رِوايَة أَبِي قُتَيبَة"فَقالَ مِثل مَقالَته بِالأَمسِ. [1] "

معنى الحديث:

يروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما هذا الحديث عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو يتحدث عن قصة إسلامه، فيذكر لنا أنه لما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - انتشرت أخباره في قبائل العرب، حتى وصلت إلى قبيلة غفار التي ينتسب إليها أبو ذر، فلما سمع بخروجه - صلى الله عليه وسلم - أرسل أخاه إلى مكة، ليأتيه بخبره، فلما رجع قال له: ما عندك؟ أي ما الذي عرفته من أخبار محمد وحقيقة دينه، فأقسم بالله أنه رأى رجلًا يأمر بكل خير وينهى عن كل شر، وفي رواية:"رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامٍ ما هو بالشعر"قال:"فقلت له: لم تشفني"أي لم تأتني بالجواب الكافي الشافي. قال:"ثم أقبلت إلى مكة،"

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (7/ 175)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت