فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 451

فجعلت لا أعرفه"أي فجعلتُ نفسي كأني لم آت مكة للتعرف على النبي - صلى الله عليه وسلم -"وأكره أن أسأل عنه"أي ولا أريد أن أسأل عنه أحدًا خشية أن تعلم قريش"وأشرب من ماء زمزم"أي أكتفي في طعامي وشرابي بماء زمزم، لأني لا أجد غيره كما في رواية مسلم عن عبد الله بن الصامت، أنه قال:"ما كان في طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني""قال: فمر بي علي"بن أبي طالب صدفة"فقال: كأن الرجل غريب"أي أظنك غريبًا"قلت: نعم، فذهب بي إلى المنزل لا يسألني عن شيء"على عادة العرب لا يسألون الضيف عن أمره حتى يخبرهم بنفسه"فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد، فمر بي عليٌ"مرة أخرى"فقال: أما نال للرجل يعرف منزله"أي أما آن لك أن تعرف مسكنك الذي تريد النزول فيه، يريد إرشاده إلى ما قدم إليه وقصده"قال: قلت: لا"أي لم أصل إلى شيء حتى الآن"فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة"أي فسأله عن أمره وقصته، فأخبره أبو ذر رضي الله عنه بقصته بعد أن وثق به، وهو معنى قوله:"قلت له: بلغنا أنه خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي"إلخ أي يدعى النبوة فأردت أن أتعرف على حقيقته"قال: أما إنك قد رشدت"بفتح الراء والشين أي اهتديت ووصلت إلى مقصودك"هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل"أي إني متوجه إليه، فاتبعني وسر معي حيث سرت قال:"ودخلت معه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: اعرض عليّ الإِسلام"أي بين لي أركانه وشرائعه"فعرضه فأسلمت مكاني"أي فأسلمت حالًا"فقال لي: يا أبا ذر أكتم هذا الأمر"يعني فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخفاء إسلامه خوفًا عليه من إيذاء قريش له، وحرصًا على سلامته منهم"فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم"أي لأرفعن صوتي بالشهادتين عاليًا في وسطهم"فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأعلن إسلامه أمامهم"فقالوا: قوموا إلى هذا الصابىء"أي الخارج عن دينه، المفارق لملة آبائه وأجداده"فضربت لأموت"أي فضربوني ضربًا شديدًا قاصدين بذلك قتلي والقضاء علي"فأدركني العباس"يعني فأنقذني منهم العباس رضي الله عنه"فأكب عليَّ"أي ألقى بنفسه عليَّ ليحول بينهم وبيني، وحذرهم من قبيلتي، فقال:"ويلكم تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار"أي كيف تقتلون هذا الرجل وهو من غفار فتعرضون قوافلكم التجارية للخطر، حيث أن تجارتكم إنما تمر عليها"فأقلعوا عني"أي تركوه"فلما أصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس"الخ. أي فعاودت مقالتي هذه في صبيحة اليوم الثاني، وعاودت قريش ضربها لي، وأدركني العباس فأنقذني منهم، كما فعل في اليوم الأوّل"قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر"أي كانت هذه قصة دخوله في الإِسلام.

فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قصة إسلام أبي ذر وهو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بن السكن بن قيس، وقيل: جندب ابن جنادة بن سفيان بن عبيد، ينتهي نسبه إلى غفار، كان من السابقين إلى الإِسلام وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا أحبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا، وكان يبدأه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت