فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 451

بالحديث إذا حضر، ويتفقده إذا غاب، وهو من أزهد الصحابة رضي الله عنهم قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلاّ وقد نشب فيها بشيء غيره"أخرجه أحمد في مسنده. ثانيًًا: فضل ماء زمزم وما أودع الله فيها من الخصائص حيث جعلها الله رواءً وغذاء وشفاء، حتى أن أبا ذر رضي الله عنه عاش عليها خمسة عشر يومًا كما في رواية مسلم حيث قال: فاختبأت بين الكعبة وبين أستارها خمس عشرة يوم وليلة مالي طعام ولا شراب إلاّ ماء زمزم. والمطابقة: في كون أبي ذر رضي الله عنه تحدث في هذا الحديث عن قصة إسلامه، وهو ما ترجم له البخاري والله أعلم. [1]

الدروس والعبر:

وفِي الحَدِيث ما يَدُلّ عَلَى حُسن تَأَتِّي العَبّاس وجَودَة فِطنَته حَيثُ تَوصَّلَ إِلَى تَخلِيصه مِنهُم بِتَخوِيفِهِم مِن قَومه أَن يُقاصُّوهُم بِأَن يَقطَعُوا طُرُق مَتجَرهم، وكانَ عَيشهم مِنَ التِّجارَة، فَلِذَلِكَ بادَرُوا إِلَى الكَفّ عَنهُ.

وفِي الحَدِيث دَلالَة عَلَى تَقَدُّم إِسلام أَبِي ذَرّ، لَكِنَّ الظّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كانَ بَعد المَبعَث بِمُدَّةٍ طَوِيلَة لِما فِيهِ مِنَ الحِكايَة عَن عَلِيّ كَما قَدَّمناهُ، ومِن قَوله أَيضًا فِي رِوايَة عَبد الله بن الصّامِت"إِنِّي وُجِّهَت إِلَيَّ أَرض ذات نَخل"، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشعِر بِأَنَّ وُقُوع ذَلِكَ كانَ قُرب الهِجرَة والله أَعلَم. [2]

وقال العيني:"وَفِي الحَدِيث: دلَالَة على تقدم إِسْلَام أبي ذَر، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه بعد الْبَعْث بِمدَّة طَوِيلَة لما فِيهِ من الْحِكَايَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من مخاطبته لأبي ذَر وتضيفه إِيَّاه، وَالأَصَح أَن سنه حِين الْبَعْث كَانَ عشر سِنِين، وَقيل: أقل من ذَلِك، فَظهر من ذَلِك أَن إِسْلَام أبي ذَر بعد الْبَعْث بِمدَّة بِأَكْثَرَ من سنتَيْن بِحَيْثُ يتهيأ لعَلي مَا فعله" [3]

قَوْلُهُ: فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الاسلام فقال وعليك ورحمة اللَّهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَعَلَيْكَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السَّلَامِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَعَلَيْكَ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَوَابًا وَالْمَشْهُورُ مِنْ أَحْوَالِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَحْوَالِ السَّلَفِ رَدُّ السَّلَامِ بِكَمَالِهِ فَيَقُولُ وعليكم السلام ورحمة الله أو ورحمته وبركاته [4]

وقوله في هذا الحديث: (( إنها مباركة ) )؛ أي: إنها تظهر بركتها على من صحَّ صدقه، وحسنت فيها نيته، كما قد روى العقيلي أبو جعفر من حديث أبي الزبير عن جابر: أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( ماء زمزم لما شرب له ) ). فينبغي أن يتبرك بها، ويحسن النية في شربها، ويحمل من مائها، فقد

(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 230)

(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (7/ 176)

(3) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 87)

(4) - شرح النووي على مسلم (16/ 30)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت