فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 451

روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: أنهاكانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان يحمله. فال: حديث حسن غريب. [1]

وقوله: (( غفار، غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ) )؛ إنما دعا النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ محبر لهاتين القبيلتين؛ لأنَّهما أسلمتا طوعًا من غير قتال، ولا إكراه، ويحتمل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين من المغفرة، والمسالمة لهما. وكيف ما كان فقد حصل لهما: فخر السابق، وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ. [2]

وفى قوله: (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله) ، الدعاء للمؤمنين بالمغفرة، تَفَاءَل لهما (- صلى الله عليه وسلم -) ، من أسمائهما فَأْلا حسنًا، وكان يعجبه الفأل الحسن، وقال الخطابى: وقوله: (غفار غفر الله لها) ، فنرى، والله أعلم، إنما خصهم بالدعاء والمغفرة لمبادرتهم إلى الإسلام وبحسن بلائهم فيه، ودعا لأسلم؛ لأن إسلامهم كان سلمًا من غير حرب، ويقال: كان مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يوم حنين من أسلم أربعمائة ومن غفار مثلها. [3]

وَقَوله:"غفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله"فِيهِ للْعُلَمَاء قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنه دُعَاء لَهما واستغفار، وَإِنَّمَا اسْتغْفر لهاتين القبيلتين، لِأَنَّهُمَا أسلمتا طَوْعًا من غير حَرْب، وَكَانَ غفار تزن بِسَرِقَة الْحَاج، فَأحب أَن يمحو عَنْهُم تِلْكَ السبة السببة، وَأَن يعلم النَّاس أَن مَا سبق من ذَلِك مغْفُور بِإِسْلَامِهِمْ.

وَالثَّانِي: أَنه إِخْبَار عَن القبيلتين، فَالْمَعْنى أَن الله سُبْحَانَهُ منع من أذاهما وحربهما.

والمسالمة: الصُّلْح على ترك الْقِتَال والأذى، وَلما سالمت أسلم، فَجَاءَت طَوْعًا، فَدخلت فِيمَا دخلت فِيهِ غفار قَالَ:"أسلم سَالَمَهَا الله".

وَفِي هَذَا دَلِيل على جَوَاز اخْتِيَار الْكَلَام المتناسب المتجانس، لِأَنَّهُ قد كَانَ يُمكن أَن يَقُول: غفار عَفا الله عَنْهَا، فَلَمَّا قَالَ:"غفر الله لَهَا". وَقَالَ:"أسلم سَالَمَهَا الله"دلّ على اخْتِيَار ذَلِك. وَإِنَّمَا يخْتَار مثل هَذَا لِأَنَّهُ أحلى فِي السّمع. [4]

قلت: وقد ظهر بين حديت عبدالله بن الصامت، وبين حديث عبدالله بن عباس تباعد واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه. وذلك: أن في حديث ابن الصامت: أن أبا ذر لقي النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أول ما لقيه ليلًا، وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة، ولا زاد له؛ وإنَّما اغتذى بماء زمزم. وفي حديث ابن عباس: إنه كان له قربة

(1) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (20/ 127)

(2) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (20/ 128)

(3) - شرح صحيح البخارى لابن بطال (3/ 7)

(4) - كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 355)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت