انْتَهَى مُلَخَّصًا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَهُوَ السَّابِقُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ فَضْلُ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَخِدْمَتِهِمَا وَإِيثَارِهِمَا عَلَى الْوَلَدِ وَالْأَهْلِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِهِمَا وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَرْكُهُ أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ يَبْكُونَ مِنَ الْجُوعِ طُولَ لَيْلَتِهِمَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَسْكِينِ جُوعِهِمْ فَقِيلَ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ بُكَاءَهُمْ لَيْسَ عَنِ الْجُوعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَرُدُّهُ وَقِيلَ لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ زِيَادَةً عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ وَهَذَا أَوْلَى وَفِيهِ فَضْلُ الْعِفَّةِ وَالِانْكِفَافِ عَنِ الْحَرَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ يَمْحُو مُقَدِّمَاتِ طَلَبِهَا وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَفِيهِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ بِالطَّعَامِ الْمَعْلُومِ بَيْنَ الْمُتَآجِرَيْنِ وَفَضْلُ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَإِثْبَاتُ الْكَرَامَةِ لِلصَّالِحِينَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبُيُوعِ وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إِذَا اتَّجَرَ فِي مَالِ الْوَدِيعَةِ كَانَ الرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ قَالَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ خَالَفَهُ الْأَكْثَرُ فَقَالُوا إِذَا تَرَتَّبَ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْوَدِيعِ وَكَذَا الْمُضَارِبُ كَأَنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فَيَلْزَمُ ذِمَّتَهُ أَنَّهُ إِنِ اتَّجَرَ فِيهِ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْغَرَامَةُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الرِّبْحُ فَهُوَ لَهُ لَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَفَصَّلَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ إِنِ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ فَالْعَقْدُ لَهُ وَالرِّبْحُ لَهُ وَإِنِ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبُيُوعِ أَيْضًا وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا جَرَى لِلْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ لِيَعْتَبِرَ السَّامِعُونَ بِأَعْمَالِهِمْ فَيُعْمَلُ بِحَسَنِهَا وَيُتْرَكُ قَبِيحُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [1] "
23 -وقال الحافظ أيضا:"تَنْبِيهٌ لَمْ يُخَرِّجِ الشَّيْخَانِ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا من رِوَايَة بن عُمَرَ وَجَاءَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي صَحِيح بن حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حِسَانٍ أَحَدُهَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ عَلِيٍّ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وبن أَبِي أَوْفَى بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَصَ الثَّلَاثَةَ فِي الْأَجِيرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْأَبَوَيْنِ إِلَّا حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَفِيهِ بَدَلَ الْأَجِيرِ أَنَّ الثَّالِثَ قَالَ كُنْتُ فِي غَنَمٍ أَرْعَاهَا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقُمْتُ أُصَلِّي فَجَاءَ الذِّئْبُ فَدَخَلَ الْغَنَمُ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَ صَلَاتِي فَصَبَرْتُ حَتَّى فَرَغْتُ فَلَوْ كَانَ إِسْنَادُهُ قَوِيًّا لَحُمِلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ تَقْدِيمُ الْأَجِيرِ ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْمَرْأَةِ وَخَالَفَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فَقَدَّمَ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْمَرْأَةَ ثُمَّ الْأَجِيرَ وَوَافَقَتْهُ رِوَايَةُ سَالِمٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْأَجِيرَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْأَجِيرَ ثُمَّ الْمَرْأَةَ وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ الْأَجِيرَ ثُمَّ الْمَرْأَةَ ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ وَفِي حَدِيثِ عَليّ وبن أَبِي أَوْفَى مَعًا الْمَرْأَةَ ثُمَّ الْأَجِيرَ ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ وَفِي اخْتِلَافِهِمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ سَائِغَةٌ شَائِعَةٌ وَأَنْ لَا أَثَرَ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ"
(1) - فتح الباري لابن حجر (6/ 509)