ثم إنّ مَن كان هذا حاله لا يُقال فيما تفرّد به: إنّهُ موضوع، مطلقًا.
ومَن أطلق الوضع على ما تفرّد به يحيى فهو جاهلٌ بهذا العلم، بل تفرّد الثقة مثل يحيى بن عيسى الرمليّ بما لم يَرْوِه غيره يدلّ على علوّ رتبته، وكمال اعتنائه بعلم الأثر.
قال الذهبي رحمه الله ـ مخاطبًا العُقَيْليّ في طعنه في عليّ بن المديني بالتفرّد، بعد كلامٍ ـ ما نصه: وإنّما أشتهي أن تعرّفني مَن هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يُتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لمرتبته، وأدلّ على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهمّ إلّا أن يتبيّن غلطه ووهَمه في الشيء، فيُعرف بذلك.
فانظر أوّل شيءٍ إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الكبار والصغار، ما فيهم أحدٌ إلّا وقد انفرد بسُنّةٍ، فيقال له: هذا الحديث لا يُتابع عليه؟!
وكذلك التابعون، كلّ واحدٍ عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا، فإنّ هذا مقرّر على ما ينبغي في علم الحديث، وأنّ تفرّد الثقة المتقن يعدّ صحيحًا غريبًا، وأنّ تفرّد الصدوق ومن دونه يعدّ منكرًا، وأنّ إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يُوافَق عليها ـ لفظًا أو إسنادًا ـ يصيّره متروك الحديث.
ثمّ، ما كلّ أحدٍ فيه بِدْعة أوله هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، (انتهى) [32] .
على أنّ يحيى بن عيسى لم يتفرّد بهذا الحديث، بل توبع بأكثر من متابعة:
الأولى: قال الشيرازيّ في (الألقاب) [33] : أنبأنا أبو عليّ زاهر بن أحمد، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن مخلّد، حدّثنا أحمد بن الحجّاج بن الصلت، حدّثنا محمّد بن
(32) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 3/ 140 ـ 141.
(33) اللآلي المصنوعة 1/ 343.