الصفحة 35 من 65

قلت: هذا أيضًا من سوء تصرّف ابن الجوزيّ في نقل عبارات أهل الجرح، فالذي يقف على قوله هذا في الحمّانيّ ويزيد بن أبي زيادٍ يقطع بأنّهما من أسقط الرواة وأكذبهم، ويجزم بأنّه لم يقل فيهما أحدٌ خيرًا؟!!

مع أنّ الأمر بخلاف ذلك.

ولا أدري؟ ما غرض ابن الجوزيّ من الاقتصار على ذكر ما قيل في الراوي من جرحٍ، دون الإشارة إلى مَن عدّله؟!

مع أنّ الأمانة تقتضي ذكر قول الفريقين ليظهر الحقّ للباحث.

ثم إنّ ألفاظ الجرح لا يظهر المراد منها جليًّا إلّا بذكر ما يقابلها من تعديلٍ، لأنّهم قد يضعّفون الراوي بالنسبة لراوٍ آخر ذُكر معه يكون أوثق منه وأعلى مرتبةً في الحفظ والإتقان، بحيث لو ذُكر ذلك المضعَّف وحده لأثنوا عليه خيرًا، وهذا يعرفه المتمكّن في هذا العلم، ونصّوا عليه أيضًا:

قال الحافظ ابن حجرٍرحمه الله في مقدمة «اللسان» [51] : وينبغي أن يتأمّل أيضًا أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقول العدل: فلان ثقة، ولا يريد به أنّه ممّن يحتجّ بحديثه، وإنّما ذلك على حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يسأل عن الرجل الفاضل المتوسّط في حديثه فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلانٍ وفلانٍ وفلانٍ؟ فيقول: فلانٌ ثقة، يريد أنّه ليس من نمط من قُرِن به، فإذا سُئل عنه بمفرده بيّن حاله في التوسطّ.

فمن ذلك أنّ الدوريّ قال عن ابن معين إنّه سُئل عن ابن إسحاق، وموسى بن عُبيدة الرَّبَذيّ: أيّهما أحبّ إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة.

وسُئل عن محمّد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوقٌ، وليس بحجّة.

ومثله أنّ أبا حاتمٍ قيل له: أيّهما أحبّ إليك، يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا

(51) لسان الميزان 1/ 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت