فضل الزهد ودرجاته
3 -وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ يَرْتَادُونَ [1] لأَهْلِهِمْ فَأَصَابَتْهُمُ السَّمَاءُ فَلَجَؤُوا [2] إِلى جَبَلٍ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ لِبَعْضٍ: عَفَا الأَثَرُ [3] ، وَوَقَعَ الْحَجَرُ، وَلاَ يَعْلَمُ بِمَكَانِكُمْ إِلاَّ اللهُ، فَادْعُوا اللهَ بِأَوْثَقِ أَعْمَالِكُمْ [4] ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كانَتِ امْرَأَةٌ تُعْجِبُنِي فَطَلَبْتُهَا فَأَبَتْ عَلَيَّ فَجَعَلْتُ لَهَا جُعْلًا [5] ، فَلَمَّا قَرَّبَتْ نَفْسَهَا تَرَكْتُهَا [6] ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي إِنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ رَجَاءَ رَحْمَتِكَ وَخَشْيَةَ عَذَابِكَ فافْرُجْ عَنَّا [7] فَزَالَ ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كانَ لِي وَالِدَانِ فَكُنْتُ أَحْلُبُ [8]
لَهُمَا في إِنَائِهِمَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُمَا وَهُمَا نَائِمَانِ قمْتُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَا شَرِبَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ رَجَاءَ رَحْمَتِكَ وَخَشْيَةَ عَذَابِكَ فافْرُجْ عَنَّا فَزَالَ ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَقَالَ الثّالِثُ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا [9] يَوْمًا فَعَمِلَ لِي نِصْفَ النّهَارِ، فَأَعْطَيْتُهُ أَجْرًا فَسَخِطَهُ [10] وَلَمْ يَأْخُذْهُ فَوَفّرْتُهَا عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالُ [11] ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ: خُذْ هذَا كُلّهُ، وَلَوْ شِئْتُ لَمْ
(1) ينتجعون ويطلبون الخير، وأصل الرائد الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث.
(2) أووا إلى غار أي بيت منقور في جبل.
(3) درس وامحى آثار المشي بالأقدام فلا يعرفنا أحد وانحطت الصخرة علينا فأخفت معالمنا.
(4) بأرجى عمل عملتموه تثقون بقبوله.
(5) أجرًا لأتمكن منها وألمس عفافها.
(6) تذكرت عقابك وزدت رهبة وامتنعت خوفًا منك.
(7) أزل عنا ووسع علينا ما نحن فيه من الضيق.
(8) أخرج اللبن من ضرع الشاة ..
(9) عاملًا يأجر نحو اثني عشر قرشًا الآن.
(10) غضب عليه.
(11) نمى هذا الأجر واستثمره في تربية الماشية حتى أوجد منه واديًا مملوءًا بقرًا مع راعيها، وسلمه ما استثمر ونمى. بخ بخ أي نفس مؤمنة تحفظ أجر ذلك العامل قليل الأجر، وتستخدمه في التجارة وتنمية الماشية حتى يكثر ويتضاعف مقداره ملايين، ويسلمه لصاحبه مضاعفًا. وقال النووي: في قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال يستحب للإنسان أن يدعوه جل وعلا في حال كربه بصالح عمله. وفيه فضل بر الوالدين وخدمتهما وإيثارهما على الأولاد والزوجة، وفضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها ويترك لله تعالى خالصًا وجواز الإجازة وأداء الأمانة وحسن العهد والسماحة في المعاملة وإثبات كرامات الأولياء أهـ ص 502 جـ 2 مختار الإمام مسلم.