واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى في الآية: .
قال الإمام محمد بن نصر المروزي:"وغير جائز أن يخبر الله عن من أتى بالإسلام الذي هو دين الله الذي لا يقبل دينًا غيره ، ولا يقبل عملًا إلا به ، أن الإيمان لم يدخل قلبه ؛ لأن من لم يدخل الإيمان في قلبه ، وهو كافر بالله ، فكيف يكون كافرًا بالله مسلمًا لله ، هذا من المحال الذي لا يجوز أن يكون ، فثبت بما ذكرناه ، أن قوله: إنما هو استسلمنا للناس ، مخافة السبي والقتل" [1] .
وتقدم جواب شيخ الإسلام عن أدلتهم .
قال الشنقيطي:"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب"
-وهم أهل البادية من العرب - قالوا: ، وأن الله - جل وعلا - أمر نبيه أن يقول لهم: ، وهذا يدل على نفي الإيمان عنهم ، وثبوت الإسلام لهم .
وذلك يستلزم أن الإيمان أخص من الإسلام ؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم .
وقد قدمنا مرارًا أن مسمى الإيمان الشرعي الصحيح ، والإسلام الشرعي الصحيح هو استسلام القلب بالاعتقاد ، واللسان بالإقرار ، والجوارح بالعمل ، فمؤداهما واحد كما يدل له قوله تعالى: [2] .
وإذا كان كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام في هذه الآية الكريمة ؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام ، ولذلك وجهان معروفان عند العلماء ، أظهرهما عندي أن الإيمان المنفي عنهم في هذه الآية هو مسماه الشرعي الصحيح ، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد بالجوارح دون القلب .
وإنما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية على الصحيح ؛ لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر ، وأن توكل السرائر إلى الله .
(1) تعظيم قدر الصلاة 2/554 ، وانظر: الوسيط للواحدي 4/160 .
(2) سورة الذاريات: الآية 35 - 36 .