فهرس الكتاب
ولم أرَ من فرَّق بينهما من المتقدمين , بل إنهم يوقعون أحدهما بمعنى الآخر [1] , والتعريف اللغوي يعضد ذلك ؛ فإن الميل إلى أحد الأقوال يقتضي تضعيف غيره ، بغض النظر عن درجة التضعيف ؛ إذْ لو كان القولان متساويين عند الناظر فيهما لم يختر ، أو يرجح أحدَهما , بل يتوقف .
نعم الاختيار والترجيح درجات [2] , فأحيانًا يقطع المفسَّر بصواب أحد الأقوال , ورجحانه على غيره , ويبطل ما سواه أو يضعَّفها تضعيفًا شديدًا , وأحيانًا لا يتوفر له من الأدلة ما يجعله يقطع بصوابه وصحته , ولا يقوم بأدلة الأقوال الأخرى من الضَّعفِ ما يجعلها غير معتبرة , ولكنْ عند الموازنة تَرْجِحُ كفَّةُ أحد الأقوال , وهذا هو الترجيح.
وقد جَمَعتُ بين المصطلحين الاختيار والترجيح في عنوان البحث , وعناوين هذه الفصول بناءً على رأي القسم , موافقةً لبعض زملائي الذين صنعوا ذلك .
والمفسرون غالبًا ما يعبرَّون بلفظ الاختيار , وهكذا الفقهاء , وهناك ثلاثة كتب في اختيارات ابن تيمية [3]
(1) أما تعبيرهم عن القول الراجح الذي قد ضعِّف غيره بأنه اختيار فهو كثير جدًا ، انظر على سبيل المثال: تفسير ابن كثير 4/563 , الناسخ والمنسوخ للنحاس 2/540 , , وتفسير القرطبي 15/67 , تفسير ابن جزي2/ 269والشوكاني4/650 وتفسير الألوسي 24/135 , ومن أمثلة إطلاقهم الترجيح على الاختيار الذي ليس فيه إشارة إلى تضعيف بقية الأقوال ما ذكره ابن كثير 1/188 , في تفسير قوله تعالى: حيث ذكر الأقوال في معنى ثم قال عن القول الأخير:"وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره", وحينما نذهب إلى ابن جرير نجد أنه يقول في تفسيره لهذا الموضوع 1/406:"ولكلًّ مما قيل من هذه الأقوال التي حكينا وجه ومخرج في كلام العرب , غير أن أعجب الأقوال إلىَّ في ذلك ما قلناه أولًا ...".
(2) انظر مقدمة تفسير ابن جُزي ص 1/4
(3) وهي كما يلي:
1-... جزء لابن عبد الهادي ضمَّنه اختيارات الشيخ في فنونُ متنوعة منها التفسير , وغالبه في الفقه , وهو مطبوع .
2-... جزء لابن القيم , وقد رتَّبها ترتيبًاَ بديعًا , وهو مطبوع .
3-... كتاب لأبي الحسن البعلي , وهو أوسع هذه الكتب وأشهرها . ومطبوع عدة طبعات . وانظر: اختيارات شيخ الإسلام لابن عبد الهادي , تحقيق سامي جاد الله ص6 .