وهم إنما نسبوا الأنبياء إلى الجنون لمخالفتهم ما عليه أهل العقل في نظرهم ، كما يقال: ( ما لفلان عقل معيشي ) ، فإن الأنبياء أتوا بخلاف ما يعرفونه ، وهو عندهم يضر صاحبه في عقله ، ويفارق به دينه الذي هم [ عليه ] ، وكما قال تعالى في آخر السورة: [1] .
وقد ذكر أنهم رموه بالجنون في غير موضع من كتابه ، وكذلك الأنبياء قبله ، فرد الله ذلك على المشركين ، وأخبر أنه ليس بمجنون ، ثم قال: أي أيكم هو المجنون الذي به المفتون ، وهو الشيطان ؟ .
وهذا الأمر قد رمي به أتباع الرسل [ من ] مثل هؤلاء ...
ويدل أيضًا على هذا المعنى في الآية أن قراءة أُبي بن كعب ، والجوني [2] ، وابن أبي عبلة [3] ، ( في أييكم المفتون ) ، والشيطان مفتون بلا ريب .
والذين لم يفهموا هذا قالوا: الباء زائدة ، كما قال أبو عبيدة ، وابن قتيبة ، وأبو بكر ، وكذلك نحاة البصرة والكوفة ، ثم ذكروا قولين:
أحدهما: أن المفتون مصدر، كما زعموا أن المعقور ، والمعقود ، والمجلود يكون مصدرًا .
ومنهم من قال: أي: بأي الفريقين المفتون ،[ أي: المجنون ، أبالفريق الذي أنت فيهم أم بفريق الكفار ؟ .
وهذه أقوال ضعيفة ، وكون المفتون ]بمعنى الفتنة لا أصل له في اللغة البتة ، وجعل المصدر على زنة ( مفعول ) لو صح لم يكن قياسًا ، بل مقصورًا على السماع ، كيف وفيما ذكروه كلام ليس هذا موضعه ؟ وكذلك قول من يقول: ( بأي الفريقين ؟ ) .
(1) سورة القلم: الآية 51 .
(2) هو أبو عمران ، عبد الملك بن حبيب البصري ، الإمام الثقة ، روى عن أنس بن مالك وعبد الله بن الصامت ، توفي سنة 123هـ عن سن عالية . انظر: سير أعلام النبلاء 5/255 ، وتهذيب التهذيب 6/389 .
(3) هو أبو إسحاق ، إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي الشامي المقدسي ، من بقايا التابعين ، الإمام القدوة ، ولد بعد الستين ، وتوفي سنة 152هـ . انظر: سير أعلام النبلاء 6/323 ، وتهذيب التهذيب 1/142 .