فهرس الكتاب
وإن قيل: في المستقبل قد يعبدون الله بالانتقال عن الكفر فهو في الحال والاستقبال لا يعبد ما عبدوه ؛ قيل: فعلى هذا لا يقال لهؤلاء ولا أنتم عابدون في المستقبل ما عبدت في الماضي ، بل قد يعبدون في المستقبل إذا انتقلوا ربه الذي عبده فيما مضى .
وإن قيل: قول هؤلاء هو القول الثاني لا أعبد في الحال ما تعبدون في الحال ولا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل ؛ قيل: ولفظ الآية ليس لفظها ( ولا أنا عابد ما تعبدون ) . فقوله: إن أريد به الماضي الذي أراده هؤلاء فسد المعنى ، وإن أريد به المستقبل بطل ما ذكروه من أن المضارع بمعنى الماضي في قوله: فإن الماضي هنا بمعنى المضارع ، فإذا كان المضارع مطابقًا له بقي مضارعًا لم ينقل إلى الماضي ، فيكون عكس المقصود .
والقول الرابع الذي ذكره قول من جعل مصدرية في الجملة الثانية دون الأخرى ، وهذا أيضًا ليس في الكلام ما يدل على الفرق بينهما ، وإذا جعلت في الجمل كلها مصدرية كان أقرب إلى الصواب مع أن هذا المعنى الذي تدل عليه المصدرية حاصل بقوله: ؛ فإنه لم يقل: ( ولا أنتم عابدون من أعبد ) ، بل قال: ، ولفظ ( ما ) يدل على الصفة بخلاف ( من ) فإنه يدل على العين كقوله:
[1] أي: الطيب ، [2] أي: وبانيها ، ونظيره قوله: [3] ، ولم يقل: ( من تعبدون من بعدي ) ، وهذا نظير [ قوله ] : سواء ؛ فالمعنى: لا أعبد معبودكم ولا أنتم عابدون معبودي ، فقوله: يتناول شركهم ؛ فإنه ليس بعبادة لله ، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه ، فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن دعوه وصلوا له .
(1) سورة النساء: الآية 3 .
(2) سورة الشمس: الآية 5 .
(3) سورة البقرة: الآية 133 .