فهرس الكتاب
وقد روى الترمذي والنسائي عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى القمر فقال:"يا عائشة ! تعوذي بالله من شره ؛ فإنه الغاسق إذا وقب"، وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا"أن الغاسق النجم" [1] . وقال ابن زيد: هو الثريا ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها ، وهذا المرفوع قد ظن بعض الناس منافاته لمن فسره بالليل فجعلوه قولًا آخر ، ثم فسروا وقوبه بسكونه . قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق القمر إذا كسف واسود ، ومعنى: دخل في الكسوف . وهذا ضعيف فإن ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعارض بقول غيره ، وهو لا يقول إلا الحق ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه بل مع ظهوره ، وقد قال الله تعالى: [2] ، فالقمر آية الليل ، وكذلك النجوم إنما تطلع فترى بالليل ، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته ، والدليل مستلزم للمدلول ، فإذا كان شر القمر موجودًا فشر الليل موجود ، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره فتكون الاستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى ، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى:"هو مسجدي هذا" [3] مع أن الآية تتناول مسجد قباء قطعًا .
(1) ويأتي تخريجهما قريبًا.
(2) سورة الإسراء: الآية 12 .
(3) أخرجه مسلم 1/1015 ح1398 ، كتاب الحج ، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن أبي سعيد .