ولم يشرع الاجتهاد والنظر والقياس إلا من أجل الوفاء بأحكام الحوادث والنوازل.
وقد سار الصحابة على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فكانوا يجتهدون في النوازل بقدر وسعهم، وكان نظرهم فيها يقوم على التبصر والحكمة والمشورة، ولذا كان الاختلاف فيما بينهم قليلًا [1] .
ويمكن القول بأن المنهج الشرعي الصحيح في استنباط حكم النوازل يقوم على الأسس الآتية:
1 -البحث عن حكمها في المصادر المتفق عليها.
فينظر المجتهد في الكتاب أولًا، فإن لم يجد فينظر في السنة، فإن لم يجد فتش عن إجماع سابق [2] .
فهذا هو المنهج المعتبر في البحث عن الأحكام، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ المشهور [3] ، وبينه جمع من الصحابة الكرام، كأبي بكر، وعمر -في كتابه إلى أبي موسى الأشعري، وفي كتابه إلى شريح -، وابن عباس، وابن مسعود، وغيرهم [4] .
(1) انظر مختصر المؤمل 1/ 36، وإعلام الموقعين 1/ 203، 4/ 205 وما بعدها، والفكر السامي 1/ 320.
(2) انظر أصول الشاشي 300، واللمع 124.
(3) حديث معاذ في كيفية القضاء وترتيب الأدلة، من الأحاديث المشتهرة على ألسنة الأصوليين، وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/ 230، وأبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء4/ 18 - 19، ورقمه 3592، وسكت عنه، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي 3/ 616، ورقمه 1227، وقال:"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل"وأخرجه الدارمي في مقدمة سننه، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1/ 60، وقد اختلف العلماء في الحكم على هذا الحديث، فذهب إلى قبوله وتحسينه جمع من أهل العلم، منهم: البيهقي، والخطيب البغدادي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، انظر السنن الكبرى للبيهقي 10/ 115، ومجموع الفتاوى 13/ 364، وتفسير ابن كثير 1/ 4، والفقيه والمتفقه 1/ 472، وسير أعلام النبلاء 18/ 482، وإعلام الموقعين 1/ 202 - 203، وذهب إلى رده وتضعيفه جمع من أهل العلم، منهم: البخاري، والدارقطني، وابن حزم، وابن الجوزي وغيرهم، انظر التاريخ الكبير 2/ 277، والإحكام لابن حزم، 2/ 207، والعلل المتناهية 2/ 273، والتلخيص الحبير 4/ 182 - 183، والمختار في هذا الحديث -والله أعلم- أنه لا يصح ولا يثبت، وأما تصحيح بعض المحققين له فمرده إلى أنهم يستندون في ذلك إلى تلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول، ويرون أن هذا القدر مغن عن النظر في إسناده. انظر التلخيص الحبير 4/ 183، وسلسلة الأحاديث الضعيفة 2/ 273.
(4) انظر نماذج من أقوال الصحابة التي تدل على هذا المنهج في: جامع بيان العلم وفضله 2/ 70 - 72، والفقيه والمتفقه 1/ 199 - 203، والمصنف لابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، باب في القاضي ما ينبغي أن يبدأ به في قضائه 7/ 241، رقم 3032، 3033، 3036، وسنن الدارمي، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1/ 57 - 59، وأخبار القضاة لوكيع بن الجراح 2/ 189 - 190، وسنن البيهقي، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي 10/ 114 - 115.