وكان عصر التابعين امتدادًا لعصر الصحابة فيما يتعلق بالقضايا الأصولية فبقيت مادة هذا العلم على ما هي عليه، ولم يشهد هذا العصر ظهور أدلة جديدة عدا مذهب الصحابي الذي بدأ يأخذ شكله الاصطلاحي، فكان مجتهدو التابعين يحتجون في كثير من الأحكام التي لم يرد بشأنها نص من كتاب أو سنة بأقوال آحاد الصحابة أو أفعالهم، بل ويرى بعضهم أن مذهبهم أولى من الرأي والقياس [1] .
لكن أبرز ملامح هذا العصر توسع دائرة الاجتهاد والقياس وظهور ما يعرف بمدرسة الرأي، وهي المدرسة التي تقوم على النظر في المعاني والعلل على اعتبار أن أكثر الأحكام الشرعية معقولة المعنى، وأنها لم تشرع إلا لمصالح العباد [2] .
وكان زعيم هذه الطريقة إبراهيم النخعي (ت96هـ) تلميذ علقمة النخعي (ت62هـ) الذي تلقى الفقه على يدي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من أكثر الصحابة عملًا بالرأي والقياس [3] .
ومن أهم أسباب ظهور هذه المدرسة: كثرة الحوادث والنوازل نتيجة للفتوحات واتساع رقعة العالم الإسلامي، وكان العراق - وهو البلد الذي عرف بالمدنية والحضارة [4] - مقرًا لهذه الطريقة، والمجتمعات الحضرية تعد بطبعها بيئة للمستجدات والحوادث [5] .
ومن هنا نلاحظ أن تطور المادة الأصولية جاء استجابة لمتطلبات الأحوال وتغير الزمان والمكان.
(1) انظر جامع بيان العلم وفضله 2/ 36 - 40، وإعلام الموقعين 1/ 33، 73.
(2) انظر مقدمة ابن خلدون 413، والموافقات 4/ 230، وحجة الله البالغة 1/ 304، والفكر السامي 1/ 2/315، وعلم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع 1/ 122.
(3) انظر إعلام الموقعين 1/ 61 - 62، والفكر السامي 1/ 2/317.
(4) انظر مقدمة ابن خلدون 416.
(5) انظر علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع 1/ 122 - 124.