وفي عصر تابعي التابعين - وهو العصر الذي بزغ فيه نجم الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد- بدأت تتشكل مادة أصول الفقه، وظهر كفن مستقل بموضوعاته ومؤلفاته.
فحظيت المصادر المتفق عليها - وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع- باهتمام المجتهدين في هذا العهد، فانصرفوا لبيان أحكامها، والتقعيد لها، وتحرير المسائل المتصلة بها.
وأخذ القياس شكله الاصطلاحي على يد الإمام أبي حنيفة وصاحبيه [1] ، وأضحى من أهم أدوات الاجتهاد التي لا يستغني عنها الفقيه.
وظهر في هذا العصر دليلان من أشهر الأدلة المختلف فيها وهما:
1 -الاستحسان.
والمراد به: العدول في حكم مسألة عن نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي ذلك العدول [2] .
وهو أحد أصول مذهب أبي حنيفة رحمه الله [3] ، وغالبًا ما يذهب إليه ويترك القياس إذا كان القياس قبيحًا [4] .
ويعد الإمام محمد بن الحسن (ت189هـ) من أكثر علماء هذه الحقبة تصريحًا بالاعتماد على الاستحسان في كتبه المختلفة، بل إنه عقد كتابًا مستقلًا سماه: كتاب الاستحسان [5] ، مما يدل على أهمية هذا الأصل عندهم.
(1) انظر مقدمة ابن خلدون 413، وحجة الله البالغة 1/ 307 - 308، والفكر السامي 1/ 2/315.
(2) انظر المعتمد 2/ 296، والمستصفى 1/ 283، والتبصرة 1/ 493، والإحكام للآمدي 4/ 58، وكشف الأسرار 4/ 7 - 8، وفواتح الرحموت 2/ 320 - 321.
(3) انظر الفصول 2/ 339، وتقويم الأدلة 404، وأصول السرخسي 2/ 200، وتيسير التحرير 4/ 78، وكشف الأسرار 4/ 6 - 8، والتقرير والتحبير 3/ 222، وفواتح الرحموت 2/ 320 - 321.
(4) انظر مناقب أبي حنيفة 1/ 75،85.
(5) انظر الأصل 3/ 43، والحجة 3/ 1، وعلم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع 1/ 180.