فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 99

وفي هذه الحقبة بدأ التدوين الحقيقي لمادة هذا العلم على يد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (ت204هـ) ، حينما صنف كتاب الرسالة [1] ، ووضع الشافعي لهذا الكتاب إنما جاء استجابة لمتطلبات الحال في ذلك العصر الذي شهد تجاذبًا بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي، وتخبطًا في الاجتهاد والفتوى، فأراد الشافعي أن يضع القواعد والضوابط التي تنظم عملية الاجتهاد [2] .

يقول الشيخ ولي الله الدهلوي (ت1176هـ) - وهو يتحدث عن أسباب تأليف الشافعي للرسالة-:"ومنها أنه رأى قومًا من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته، فلا يميزون واحدًا منها من الآخر، ويسمونه تارة بالاستحسان ... وبالجملة لما رأى في صنيع الأوائل مثل هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس، فأسس الأصول، وفرع الفروع وصنف الكتب فأجاد وأفاد"أ-هـ [3] .

ويقول الرازي (ت606هـ) :-"الناس كانوا قبل الشافعي رضي الله عنه يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي رحمه الله علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونًا كليًا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع"أ-هـ [4] .

وقد أثارت بعض الموضوعات التي طرحها الشافعي في هذا الكتاب جدلًا واسعًا عند علماء الأصول الذين جاءوا من بعده، وتعرض بسببها للانتقاد والتجريح [5] .

(1) أسبقية التدوين في هذا العلم شرف عظيم تنازعه علماء الإمامية، والحنفية، والمالكية، والشافعية، والذي اختاره أكثر المحققين من علماء هذا الفن وغيرهم: أن الرسالة أول كتاب وصل إلينا مدونًا في علم أصول الفقة على وجه الاستقلال. انظر علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري 1/ 215 - 234.

(2) انظر مناقب الإمام الشافعي للفخر الرازي 101، ومقدمة ابن خلدون 420، وضحى الإسلام 2/ 229، والشافعي لمحمد أبو زهرة 347 - 350.

(3) حجة الله البالغة 1/ 311.

(4) مناقب الإمام الشافعي 101 - 102.

(5) لعل من أشهر الموضوعات التي أثارت حفيظة مخالفيه: رأيه في البيان، والنسخ، ومذهب الصحابي، وتفسيره لرأي الحنفية في الاستحسان بأنه قول بالتشهي والهوى، ويعد الجصاص من أكثر العلماء الذين انتقدوا آراء الشافعي في الرسالة. انظر- على سبيل المثال- الفصول 2/ 6 - 19، 4/ 223، وعلم أصول الفقه 1/ 326، 2/ 871 - 875، 881 - 884.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت