والرسالة ذاتها لم تشتمل على كافة المسائل والقضايا الأصولية، وإنما كانت النواة الأولى للمدونات المستقلة في هذا الفن [1] ، ومن بعدها شهد القرن الثالث والرابع طفرة في التأليف الأصولي أسهمت في إضافة بعض القضايا والموضوعات إلى مادة هذا العلم، كالمسائل المتعلقة بالأحكام، والمسائل المتعلقة بالأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، وعوارضها، ودلالات الألفاظ، إضافة إلى المباحث الكلامية، والمسائل المتعلقة بالاجتهاد، والتعارض، والترجيح، وما صاحب ذلك من تطور ملحوظ في الحدود والاصطلاحات، وتوسع في طرائق المناظرة والجدل، واستعمال الحجج العقلية [2] .
ومع نهاية القرن الرابع أوشكت مادة هذا العلم على الاكتمال، ولم يبق هناك ما يمكن أن يوصف بأنه إضافة حقيقية إلا ما كان من الآراء الجريئة والمثيرة للجدل لعدد من علماء الأصول في القرون التالية لهذا القرن، كآراء ابن حزم الظاهري (ت456هـ) في حجج العقول، وإنكار القياس، والتفريق بين العلة والسبب، وتوسيع دائرة المباحات، وغيرها، ورأي نجم الطوفي (ت716هـ) الشهير في المصلحة، وإلحاق الشاطبي (ت790هـ) لأبواب المقاصد وكليات الشريعة بأصول الفقه، وجعله إياها جزء من مادة هذا العلم، واعتماده منهج الاستقراء لاستخلاص كليات الشريعة، وتوسعه في التعليل بالحكمة.
وحاصل القول: أن مادة هذا العلم لم توجد كوحدة متكاملة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عصر الصحابة، ولا حتى في عصر التابعين، وإنما شهدت تطورًا ونماءً على مدى القرون الأربعة الأولى نتيجة لتبدل الأحوال وتغير الظروف.
يقول ابن خلدون (ت808هـ) : -"واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا فمنهم أخذ"
(1) انظر علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع 1/ 325 - 326.
(2) انظر المصدر السابق 1/ 509 - 524.