معظمها، وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم، فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة ... احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنًا قائمًا برأسه سموه أصول الفقه، وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله عنه أملى فيه رسالته المشهورة"أ-هـ [1] ."
وبناءً على ذلك يمكن القول بأن فكرة النوازل الأصولية ليست بدعًا من القول، وإنما هي حقيقة تاريخية يمكن أن يدركها كل متتبع لتاريخ نشأة هذا العلم وتطور مادته، ولعل أول النوازل الأصولية من الناحية التاريخية: ظهور الإجماع كمصدر من مصادر التشريع المعتبرة، وما أعقبه من ظهور بعض الأدلة الجديدة، كمذهب الصحابي، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والقياس الأصولي بأركانه الاصطلاحية (الأصل، والفرع، والعلة، والحكم) ، والاستحسان، وعمل أهل المدينة، وغيرها.
ولعل مما يؤكد هذه الفكرة: تلك القصة المشهورة التي تروى عن الإمام الشافعي رحمه الله (ت204هـ) وفيها: أنه سأله سائل عن الحجة في دين الله، فقال كتاب الله، قال السائل: ثم ماذا؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة، قال: ومن أين قلت اتفاق الأمة من كتاب الله؟ فتدبر الشافعي رحمه الله ساعة، فقال له السائل: أجلتك ثلاثة أيام، فتغير لون الشافعي، ثم ذهب فلم يخرج أيامًا، ثم خرج من البيت في اليوم الثالث، فجاء السائل فقال: حاجتي؟ فقال الشافعي: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا} [2] ، لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض، فقال السائل: صدقت"أ-هـ [3] ."
(1) مقدمة ابن خلدون 420.
(2) سورة النساء آية 115.
(3) انظر أحكام القرآن للشافعي 1/ 40.