ففي هذه القصة دلائل واضحة على أن الاحتجاج بالإجماع يعد من النوازل الأصولية، كاستغراب السائل إثبات مصدر من مصادر التشريع دون مستند من القرآن، وعجز الشافعي عن بيان الدليل له في الحال، وانصرافه إلى التنقيب في القرآن عن دليل لهذا الأصل، وحرصه على بيان وجه الدلالة حتى يدركه السائل وغيره.
وفي الرسائل المتبادلة بين الإمام مالك (ت177هـ) ، والليث بن سعد (ت175هـ) [1] ما يدل على أن الاحتجاج بعمل أهل المدينة كان نازلة أصولية استوجبت المدارسة والمناظرة وبيان الحق.
وقد نقل الباجي (ت474هـ) وغيره عن أبي يوسف (ت182هـ) أنه لما اجتمع بمالك وسأله عن المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، رجع أبو يوسف إلى قوله، وقال: لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع مثلما رجعت [2] .
وقد تقدم إنكار الشافعي وأحمد لهذا النوع من الاستدلال ومخالفتهم لمالك في ذلك [3] ، وهذا يؤكد أنه دليل محدث ونازلة أصولية جديدة.
يقول الجصاص (ت370هـ) : -"فلو كان إجماعهم هو المعتبر في كونه حجة لما خفي أمره على التابعين ومن بعدهم، فلما لم نر أحدًا من تابعي أهل المدينة ومن غيرهم ومن جاء بعدهم دعا سائر الأمصار إلى اعتبار إجماع أهل المدينة ولزوم اتباعهم: دل ذلك على أنه قول محدث لا أصل له عن أحد من السلف"أ-هـ [4] .
ومن قرأ كتاب الشافعي"إبطال الاستحسان"ولاحظ المنهج الذي سلكه في إنكار هذا النوع من الاستدلال أدرك أن تأليفه لهذا الكتاب جاء استجابة لهذه النازلة الأصولية وهي تفشي العمل بهذا الدليل وبخاصة عند فقهاء الحنفية.
(1) انظر كتاب التاريخ ليحيى بن معين 4/ 498 - 501، وكتاب المعرفة والتاريخ للفسوي 1/ 695 - 697، وترتيب المدارك 1/ 64 - 65.
(2) انظر إحكام الفصول 483 - 484، ومجموع الفتاوى 20/ 304، والبحر المحيط 3/ 529 - 531.
(3) انظر الأم 7/ 281، وجماع العلم 1/ 49، والعدة 4/ 1142، والبحر المحيط 2/ 528.
(4) الفصول 2/ 150.