هذه هي حال معظم الصرفيين من الاشتقاق من الاسم الجامد إلا أننا نجد أبا العلاء [1]
يقر هذا الأمر بلا غضاضة، وبلا نكير. قال عند قول أبي تمام:
حَضرَمتُ دَهري وَأَشكالي لَكُم وَبِكُم ... حَتّى بَقيتُ كَأَنّي لَستُ مِن أُدَدِ [بحر البسيط]
(( .. (( حضرمتُ دهري ) )؛ أي: جعلته بحضرموت. فكأنه اجترأ على بنية هذه الكلمة لما كانت العرب تقول: رجل حضرمي؛ إذا نسبوه إلى حضرموت؛ فبني الفعل على ذلك، وهذا كما يقال: (( مَضَّرتُ فلانا ) )؛ إذا نسبته إلى مُضَر،
و (( قيَّسته ) )؛ إذا نسبته إلى قيس )) [2] .
ـ قال عند قول أبي تمام:
جَلَّيتَ وَالمَوتُ مُبدٍ حُرَّ صَفحَتِهِ ... وَقَد تَفَرعَنَ في أَوصالِهِ الأَجَلُ [بحر البسيط]
(1) ويشارك التبريزي أبا العلاء في عدم إنكاره على هذا النوع من الاشتقاق، حيث قال في أحد المواضع يشرح بيت أبي تمام يمدح فيه المأمون:
نيطَت قَلائِدُ عَزمِهِ بِمُحَبِّرٍ ... مُتَكَوِّفٍ مُتَدَمشِقٍ مُتَبَغدِدِ [بحر الكامل] .
(( وصف نفسه(أي أبوتمام) بـ (( مُتَكَوِّفٍ ) )يَمُتُّ إلى المأمون بأنه شيعي؛ لأن المأمون أظهر التشيع في أول أمره، وأهل الكوفة ينسبون إلى أنهم شيعة. وقال: (( مُتَدَمشِقٍ ) )؛ لأنه من أهل جاسم. وقال: (( مُتَبَغدِدِ ) )؛ أي هوظريف )) . [2/ 55ـ56ب43] . وقال في موضع آخر:
(( قُلْنِست: من القلنسوة، ويقال: قَلْنَسْتُه وقَلْسَيْتُه، ولوقال: قَلَّسْتُه بالتشديد لكان وجها ) ). [3/ 264ب25]
ومما أشار إليه التبريزي أيضا إمكانية اشتقاق الفعل من الحرف. قال عند قول أبي تمام:
يا مَنزِلًا أَعطى الحَوادِثَ حُكمَها ... لا مَطلَ في عِدَةٍ وَلا تَسويفا [بحر الكامل] .
(( يقال: سَوَّف الرجل؛ إذا مطله .. وأصل ذلك أن يقول: سوف أفعل .. فهذا يدل على أن اشتقاق (( التسويف ) )من (( سوف ) )التي تدخل على الفعل المضارع؛ فتخلصه للاستقبال )) . [2/ 376ب2] . وشاركه الزمخشري في ذلك فقال: (( سَوَّف الأمر؛ إذا قال: سوف أفعل ) ).
[أساس البلاغة: مادة سوف، ص 467] . وجاء في المعجم الوسيط: (( فَأَفَأَ: أكثر من ترديد حرف الفاء في كلامه؛ فهو فَافأٌ، وفأفاء ) ). [مادة: فأفأ، 2/ 696] .
(2) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [4/ 337ب7] .