الصفحة 21 من 168

وليلتفت الأخ الداعية إلى ضرورات عدة حدت بنا إلى تجزئ هذا المواضيع وعدم نشرها في كتاب ضخم واحد، مراعيًا التكامل في معانيها، ناظرًا إلى ما في طبيعة كل حلقة من استدراك على الحلقات الأخرى، فالدعوة إلى الزهد لا تعني استساغة الزهد المبتدع وهجر الجهاد، والدعوة إلى الجهاد لا تعني التهور والمجازفة، كما أن المبالغة في الحث واتعاب البدن في العمل لا تؤخذ على ظاهرها بعيدة عن ضوابط التربية.

ولا بد أيضًا، خلال كل ذلك، من الالتفات إلى حقيقة الآراء المطروحة، وكونها من الآراء الشخصية البحتة المعبرة عن مفاهيم كاتبها فحسب، وما هي إلا اجتهادات فردية لا تمثل رأيا رسميا لجماعة من الجماعات الإسلامية العاملة، ولا تتحمل قياداتها مسؤولية خطأ يرد فيها، أو غلو تتورط فيها، أو تسهل وتفريط تجنح إليه.

عمق وارتفاع

وبعد يا داعية الإسلام:

فقد قيل: إن قائل الحكمة وسامعها شريكان، أولاهما بها من حققها بعمله، فحقق هذه الحكم بعملك: تكن أولى بها، وأجدر أن تنسب إليك.

وابدأ بإصلاح نفسك: يصلح الذين معك من ناشئة الدعوة، فإنها وصية الإمام الشافعي، أرشد بها مؤدب أولادها هارون الرشيد، فقال:

(ليكن أول ما تبدأ به إصلاح أولاد أمير المؤمنين: إصلاحك نفسك، فإن أعنتهم معقودة بيدك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته) .

فانرظ إلى قوله: القبيح عندهم ما تركته!

لم يقل له: القبيح عندهم ما قلت لهم إنه قبيح، بل ما لم تعمل به ولم تقربه.

وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكثر من كتابة الحديث وطلبه، أيسوغ له ذلك.

فقال:

(ينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب) .

وهذه الصفحات زيادة في العلم، سوغت لنفسك حيازتها، فوجبت عليك زكاتها، على مذهب الإمام أحمد.

فامض قدمًا، واقتحم

أنت نشء، وكلامي شعل

على شدوي مضرم فيك حريقا

ليس في قلبي إلا أن أرى

قطرة فيك غدت بحرًا عميقًا

لا عرى الروح هدوء، ولتكن

بحياة الكدح والكدح خليقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت