فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعدما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته، وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره، سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومتهم اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.
وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته، ولكنها العقيدة الحية في ضمير تدفعه وتجئ به من أقصى المدينة إلى أقصاها (1) .
وعي المسلم لوجوب الدعوة إلى الله، وفقهه لهذه المسألة الحدية، ووضوح رؤيته لهذا المعلم البارز من معالم الطريق الإسلامي: كل هذا يحدد نقطة البدء والانطلاق في مسيرة الفرد المسلم في الحياة، وفي خطة أي إصلاح جماعي، ومن ثم وجب الإلحاح في بيان هذا الواجب، وتطيبق السلف الصالح له، وأمثلة من تجدد سيرة السلف وكلامهم في ذلك في قرننا هذا.
وكما رأينا عبد الله بن مسعود يرصد نفسه في الكوفة لتفنيد العزلة، نرى الحسن البصري سيد التابعين رحمه الله يرصد نفسه في البصرة لبعث همم الناس، وشرح معنى الإصلاح، فيتلو على أهل البصرة قول الله تعالى: (مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ثم يقول:(هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته.
فهذا حبيب الله.
هذا ولي الله).
لا غيره ممن يعتزل ويجمد ويكون مستورا.
وحين نقل ابن القيم كلام الحسن هذا عقب فقال:
(1) في ظلال القرآن 23/16.