والثانية: يكشفها مجمل قصده من حفظ الوجه، وهو التفرغ، بهيبة كافية، لقيادة جمهور المسلمين، ومصاولة الابتداع وأعداء الإسلام، والأمر بالمعروف، ونشر العلم، مما تفصح سيرته هو عن مثل ذلك.
وهذا الإفتاء قريب مما ذكره فقهاء الأحكام السلطانية، حين أوجبوا على الخليفة أن لا يتشاغل عن سياسة الدولة وتدبير الجيوش بالعبادة وأعمال البر الشخصية، كما قال الماوردي، حين جعل من واجبات الخليفة:
(أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح وقد قال الله تعالى:(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ) .
فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال.
وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترع.
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (1) .
وإنها لرعاية حقا، ومسؤولية صدقا.
معهما يلمس المرء تماما البعد الشاسع بين جهدين:
جهد السعي المجرد في مصالح الناس، مهما أتعب البدن.
وجهد مواكبة الدعوة في شمولها، مواكبة تستهلك البدن، وترهق الفكر، وتمتص رحيق الروح.
ولذلك كانت حالة الشمول سموا، لا يقوى عليها إلا أشداء المؤمنين.
وبعد:
"فقد افتضحت الجاهلية، وبدت سوأتها للناس، واشتد تذمر الناس منها، فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام" (2) .
بهذه البساطة عبر سيد قطب رحمه الله عما يرى.
(1) الأحكام السلطانية للماوردي /16 الطبعة الثانية.
(2) مقدمة سيد قطب لكتاب الندوى: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين/20.