الصفحة 65 من 168

وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديمًا -وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثًا- أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إذا اهتدى هو بذاته- ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة إقامة شريعة الله في الأرض -إذا هي اهتدت بذاتها- وضل الناس من حولها.

إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان -وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله واغتصاب سلطانه وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته، وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم) (1) .

ما نقلناه سباقا عن ابن تيمية، وابن القيم، والغزالي، وبعض المعاصرين، في وجوب الدعوة إلى الله،والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، معتمدين على طائفة من الآيات والأحاديث، إنما هي نقول تحمل معها من الوضوح ما كان كافيا لرد أوهام المتخارسين الذين ظنوا أن بعض العبارات الفقهية المجملة تعفيهم من هذا الوجوب.

ومع كثرة صيحات الدعاة في هذه السنين وإهابتهم بالناس، وبالمصلين خصوصًا، أن يعملوا، ويعاونوا الدعاة الآمرين النهاة، فإن الأكثرين لا زال الحزن على واقع المسلمين يستهلكهم يومًا بعد يوم، ولم يعرفوا طريق العمل، أو عرفوه ومنعهم الخوف من تحمل التضحيات عن العمل، أو منعهم الحرص على المال والمصالح الدنيوية، فانعزلوا في مساجدهم وبيوتهم، يبكون الإسلام، ويتركون الأجيال وجماهير الشباب الساذج لمن يربيها من دعاة الإلحاد والعلمانية والشيوعية والوجودية، ولمن يجرها إلى الفساد والحياة الشهوانية والزنا والخمر والإسراف في اللهو.

(1) الظلال ج7/ص59-60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت