الصفحة 64 من 168

وإذن فإن مفهوم هؤلاء الذين يعذرون أنفسهم غير وارد، وإنما عنت الآية أن (عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها، وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها، ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم، فأنتم وحدة منفصلة عمن عداكم، وأنتم أمة متضامنة فيام بينها، بعضكم أولياء بعض، ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم.

إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادئ أساسية في طبيعة الأمر المسلمة، وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى.

إن الأمة المسلمة هي حزب الله، ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان، ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن، لأنه لا اشتراك في عقيدة، ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة، ولا اشتراك في تبعة أو جزاء.

وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها، وأن تتناصح وتتواصى، وأن تهتدي بهدى الله الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها.. ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئا أن ضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى.

ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى، والهدى هو دينها هي وشريعتها ونظامها، فإذا هي أقامت نظامها في الأرض بقي عليها أن تدعو الناس كافة، وأن تحاول هدايتهم، وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة لتقيم العدل بينهم، ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجوا.

إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولا، ثم في الأرض جميعا، وأول المعروف الإسلام لله وتحكيم شريعته، وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته، وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت، والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه... والأمة المسلمة قوامة على نفسها أولا، وعلى البشرية كلها أخيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت