ويجب الانتباه إلى أن ما أجازه خلال كلامه من السكوت عند قوة أهل الفجور وأذاهم للناهي إنما يقتصر على العامة من المستضعفين، وأما الدعاة والقادة والعلماء فيأخذون بالعزيمة، ويصدعون بالحق وإن لحقهم الأذى والعذاب والموت، كما بينه ابن تيمية في كلام آخر له سنذكره في حلقات قادمة، وكما بينه غيره، وكما كانت سيرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في أيام محنة خلق القرآن، ولاحظ بصورة خاصة أهمية قول ابن تيمية"وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله".
(وهكذا صحح الخليفة الأول -رضوان الله عليه- ما ترامي إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة، ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق، فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهد ومشاقه، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه!
وكلا والله، إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد، ولا يصلح إلا بعمل وكفاح، ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إله، ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ولتقرير ألوهية الله في الأرض، ولرد المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان، ولإقامة شريعة الله في حياة الناس، وإقامة الناس عليها.
لابد من جهد، بالحسنى حتى يكون الضالون أفرادًا ضالين، يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة، وبكل وسيلة مشروعة وممكنة، حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى، وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم.
وبعد ذلك -لا قبله- تسقط التبعة عن الذين آمنوا) (1) .
(1) الظلال 7/61/59.