الصفحة 62 من 168

فتأمل الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء، وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة، علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها: وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن، محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) .

وبإزاء هذا العدوان: تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق، أو فيما أمروا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها، فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين، لا يبالي بأيهما ظفر، غلو أو تقصير.

فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تارك الإعانة على البر والتقوى، وفاعل المأمور به وزيادة منهي عنه بإزائه تارك المنهي عنه وبعض المأمور به، والله يهدينا الضراط المستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله).

انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1) ، وهو كلام رفيع جليل، ولذلك حرصنا على إيراده بطوله، وكنا قد اختططنا لأنفسنا في مقدمة هذه المواعظ التواضع أمام أئمة الفقهاء والدعاة، والحرص على كلام القدماء وتقديمه على كلام المعاصرين وعلى ما نستطيع إنشاءه.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 14/479.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت