(يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله ارسلك) (1) ؟
أتاهم رسوله داعيا، وكذلك الناس تؤتي، ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية.
ولو فصلت كلمة هذا الأعرابي لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقوم هذا، وكيف فارق أهله وبيته وأولاده، وكيف اجتاز المفاوز وصحراء من بعد صحراء، وكيف تعرض للمخاطر والحر أو البرد، ليبلغ دعوة الإسلام.
وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها.
لابد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح وتكلم وزعم.
ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة، فافقه سيرة سلفك وقلدهم، تصل، وإلا فرواح في مكانك، فإنك لن تبرحه.
يتمنى المؤمن أن يغفر الله له ويدخله الجنة، وإنه لفوز عظيم نفوزه بمجرد أن نتجاوز باب الجنة بخطوات، ولكن الطمع بما عند الله طمع حلو لذيذ، وإذا بنا نعيش بين مدة وأخرى لحظات من اللحظات اللذيذة، لا نقنع فيها بأن ندلف من باب الجنة فحسب، ولا أن نبقى في منازلها الواطئة، بل نطمع أن نكون في عليين، وفي الفردوس، من منازلها الرفيعة.
وهنا يكون الكلام المنطقي:
إن من يريد المنزلة العليا القصوى من الجنة، فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة الدنيا.
واحدة بواحدة.
ولكل سلعة ثمن.
وما هذه المنزلة القصوى في الدنيا إلا منزلة الدعوة إلى الله، كما يقول الشيخ عبد البقادر الكيلاني رحمه الله في كتابه الآخر الذي سماه (فتوح الغيب) .
كان هو داعية مصلحا، ولذلك تجد كل كتبه تركز على معنى الدعوة ووجوبها.
إن الفائز عند الكيلاني من اختاره الله.
(وجعله جهبذا وداعيا للعباد ونذيرا لهم وحجة فيهم، هاديا مهديا) .
ثم قال: (فهذه هي الغاية القصوى في بني آدم، لا نمزلة تفوق منزلته إلا النبوة) (2) .
المؤمن الأخرس متأخر
(1) صحيح مسلم 1/32.
(2) فتوح الغيب للشيخ عبد القادر/49.