الصفحة 72 من 168

وكما تتفاضل الأعمال في الميزان الإيماني الإسلامي، فإن العمل الصالح الواحد يتفاضل تطبيقه أيضا من شخص إلى شخص وظرف إلى ظرف، ووقت إلى وقت، بحيث يندب إليه أحد المسلمين دون الآخر، وفي ظرف دون آخر، ولكل مسلم عمل من أعمال الخير هو أفضل له من الأعمال الأخرى الفاضلة، وذكر ابن القيم رحمه الله أن(الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله، أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع.

والعالم الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر: مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح) (1) .

فلا يحتجن أحد بأحاديث فضل النوافل والتسبيح ليسوغ اعتزاله الناس، ويترك مهمته الإرشادية التي يلزمه إياها عمله الذي تعلمه، فإن مباشرة الدعوة خير من مباشرة النوافل.

الداعية رحالة

ولا ينبغي للداعية أن يبتئس إن لم يجد فضل وقت لقيام الليل يوميا، والإكثار من ختمات القرآن، فإن ما هو فيه من الدعوة وتعليم الناس وتربية الشباب خير وأجزل أجرًا، وقدوته في ذلك ورائده أئمة الدعاة من السلف الصالح الذين كانوا يسيحون لنشر الدعوة وتبليغها، ويبادئون الناس بالكلام، ويحتكون بهم احتكاكا هادفا، ولا ينتظرون مجئ الناس لهم ليسألوهم.

هكذا كان شأن الدعاة دومًا.

وعلى داعية اليوم أن يكون رحالة سائحا في محلات مدينته، ومدن قطره، يبلغ دعوة الإسلام.

انظر مثلا كيف كان رسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام وتبشر به، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة، ألا ترى أن الأعرابي الذي سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أركان الإسلام، فلما أخبره بها وقال: (لا أزيد عليهم ولا أنقص) كيف كان قد بدأ سؤاله بأن قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

(1) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم/93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت