ولا زلنا هؤلاء الخطاب المساكين على منابر الجمعة والاحتفالات يتألمون، وينادون المسلمين بالعمل والجهاد، ويختمون خطبهم بمثل قولهم: الإسلام يناديكم. ولا يسألون أنفسهم: بأي متصد للزعامة نثق، وما ثم فيهم إلا قائد مقود، ومتبجح مملوك؟
إنهم جهلوا طريق العمل الصحيح، فلا تؤدي خطبهم إلا إلى زيادة آلامهم وآلام السامعين، ولو علموهم اليأس من قادة اليوم، وأرشدوهم إلى وجوب التجمع والأمر بالمعروف الذي جاء به الإسلام، والنهي عن المنكر الذي تقترفه الأحزاب والزعامات المملوكة، لحصل لهم المطلوب الذي يتمنونه، ولكن ما زلنا نسمع نشيج الجمعيات وقرارات المؤتمرات منذ عشرات السينين، وما ثم إلا جمع الأصفار.
إنه التأسيس نم تحت كما يقول شكيب، ليس غير، وإنها خيمة التنظيم لا قاعات المؤتمرات.
تنصب خيمتك ي صحراء جاهلية القرن العشرين، وتضرم نارك ليراها التائهون والمنقطعون فيقصدونها وينزلون خيمتك وتنادي ابنتك لبيني لتزيد لهب النار، وتعلمها:
يا لبيني أوقدي طال المدى
أوقدي عل على النار هدى
أوقدي يا لبن قد حار الدليل
أوقدي النار لأبناء السبيل
إرفعي النار وأذكي جمرها
عل هذا الركب يعشو شطرها
شردي هذا الظلام الجاثما
أرشدي هذا الفراش الهائما
حبذا النار بليل توقد
حبذا المؤنس هذا الموقد
حبذا عندك هذا النزل
لو حوانا في سفار منزل
ما لذا المنزل قد سار الفريق
إنما النيران أعلان الطريق
زودينا بهيام ووجيب
زودي يا لبن من هذا اللهيب (1)
سمتان ما زال الإسلام يعرف بهما.
سمت الاستعلاء على المبادئ الأخرى، جازمًا بضلالها. وسمت وليد هذا الترفع، يطبعه بالتبرؤ من الأغيار، ومفاصلتهم، وهجر كل صاحب هوى.
وفي هذين السمتين تعبير عن فطرة التغيير التي طبع الله الإسلام عليها، المتعدية بالتالي إلى طبيعة الحركات الإسلامية.
(1) لعزام، من قصيدة اللمعات، التي الحقها بترجمته لديوان رسالة المشرق لإقبال.